بقلم غالب قنديل

تمادي الفراغ الحكومي ومخاطره

غالب قنديل

ما يعيشه البلد من وقائع الأزمة الاقتصادية والمالية، والتحديات السياسية الناتجة عن الخطر الصهيوني والضغوط الأميركية، يجعل من قيام حكومة مؤهلة للتعامل مع التحديات والوقائع ضرورة وطنية عليا.

 

أولا: يشبه أداء الواقع السياسي اللبناني جدل بيزنطة بينما كان العدو على الأبواب. فلبنان ليس معزولا عن المنطقة، وهو جزء من نسيجها ومعادلاتها، ومصيره مرتبط بما تشهده من تحولات وصراعات وحروب. وهذه عِبرة أكدتها العقود الماضية منذ عام 1943، ولا يمكن الفكّ بين النظر الى مستقبل البلد السياسي والاقتصادي ومصائر الناس فيه وأحوالهم وبين ما يجري في المحيط الإقليمي.

تلك هي عِبرة التاريخ والتجارب التي اجتازها لبنان، الذي تأثر دائما بالأحداث الكبرى الجارية من حوله، وكان واقعه الاقتصادي والسياسي ميدانا للتفاعلات الدولية والإقليمية، وهو ما يمكن البرهنة عليه بالعودة الى المحطات التاريخية الكبرى، التي شهدها لبنان، وكانت تجسّد ذلك الترابط الوثيق بالواقعين الدولي والإقليمي. والعقود الماضية حافلة بالأمثلة والوقائع، التي تؤكد ارتباط الاستقرار اللبناني بواقع المحيط العربي وبمعادلات الصراع العربي – الصهيوني.

ثانيا: إن التحوّل الذي فرضته المقاومة جعل لبنان قوة فاعلة في المنطقة لأنه بلد المقاومة التي ألحقت الهزائم الأولى من نوعها بالكيان الصهيوني منذ اغتصاب فلسطين، وأرغمته على الهروب من أرض هذا البلد، الذي عومل دائما على أنه الحلقة الأضعف في معادلات الصراع العربي – الصهيوني، فبات بفضل المقاومة وإنجازاتها قلعة حصينة وعصيّة، تمتلك قدرة ردع هائلة، يواصل مراكمتها مجاهدون، تفرّغوا في ليلهم ونهارهم لتطوير معادلات الردع في وجه العدو. وهذا التحوّل التاريخي كان في صلب استهداف لبنان بالحصار الاقتصادي والعقوبات، وعملية الخنق المتواصلة الهادفة لاستنزافه وإضعاف مناعته وقدرته على مجابهة العدو.

المقاومة التي تطوّر من قدراتها الرادعة، هي في الوقت ذاته، قوة وطنية بنّاءة مساهمة في معادلات الوفاق، وفي تكوين إرادة وطنية لإيجاد الحلول والمخارج من المأزق الاقتصادي والمعيشي الخانق. ولذلك، هي قوة ترمي بثقلها للتقريب بين شركاء الوطن من أجل المساهمة في بناء إرادة جامعة، تتلمّس الحلول للمشاكل والأزمات.

ثالثا: إن الدور الذي يقوم به حزب الله في الحياة الوطنية، هو بنظر غالبية شعبية لبنانية كبيرة، ضمانة الخروج من المآزق والأزمات. وبكل تأكيد تتجه أنظار اللبنانيين الى هذا الحزب الوطني الحريص كلّما تعقّدت الأزمات، وتلاحقت المآزق السياسية والاقتصادية بوصفه صمّام الأمان ولغة العقل القادرة على تفكيك أجواء التطاحن والمناكفة في زمن كارثي، يرفع الكلفة على البلد.

إن التردّي المتواصل في الواقع الاقتصادي والاجتماعي يتطلّب عملا حثيثا ومكثّفا، يحقق تضافر الجهود في سبيل بلورة خطة إنقاذية شاملة، تعزّز المناعة الوطنية، وتسمح بوقف الانهيار، والمبادرة بسرعة الى ورشة وطنية لإحياء الثروة وإنعاش القطاعات الاقتصادية. ولا شكّ، إن ذلك يتطلّب بالضرورة بلورة رؤية وبرنامج وخطة سياسية لتعبئة الطاقات والجهود. فواقع البلد الاقتصادي والاجتماعي بات على درجة عالية من التردّي والتعقيد، وهو يستدعي مقاربات جديدة غير تقليدية. ومن الواضح أن الوصفات الدارجة حتى اليوم، لم ينطلق أيّ منها من دراسة التجارب السابقة ومراكمة الدروس والعِبر في صياغة رؤية جديدة ومشروع جديد لإعادة البناء الوطني. وإذا كان الواقع السياسي يهدر الوقت بإدمانه على المناكفات وتبادل الاتهامات، فإننا لا نرى مبرّرا لالتحاق الإعلاميين ومثقفي الأحزاب الوطنية بهذه الدوامة ومفرداتها، التي تدفع السجالات والمناكفات في متاهة الطواحين. فالمطلوب هو حوار وتفاعل فكري وسياسي، ينتج أفكارا خلّاقة ورؤى وطنية بمستوى التحدّي. وما يجري هو هدر للوقت بدون طائل في علبة انتظار عقيم لصورة واقع سياسي متبلّد بعيد عن هموم الناس. 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى