بقلم غالب قنديل

دروس أولية من كارثة كورونا

غالب قنديل

ظهرت أعراض المفاجاة وصدمة المجهول على جميع دول العالم الكبيرة والصغيرة أمام تفشي فيروس كورونا الغريب على اجهزة المناعة البشرية كما على المؤسسات الطبية والمختبرات وحتى اليوم تفوق النموذج الصيني في التصدي السريع والديناميكي للكارثة والنجاح في وقف انتشار الفيروس وهو قدم لدول اخرى عديدة نموذجا خاصا عن تميز دولة وطنية قوية استطاعت تذليل العوائق واظهرت ليونة شديدة وسرعة في الاستجابة خلال تحرك مؤسساتها التي بنى الغرب عنها خرافة أنها متخلفة وبيرقراطية وطالما نعتها بالبلادة والتكلس والفساد.

 

اولا حققت الصين الشعبية انتصارات على الفيروس ووضعت حدا لانتشاره بكفاءة عالية اظهرتها سرعة استجابة القطاع الطبي والزمن القياسي المذهل في إقامة المستشفيات الجديدة المجهزة بينما تنشط مراكزها البحثية المتقدمة في السعي لابتكار لقاحات وعلاجات للمرض الجديد وبغض النظر عن شبهات الحرب الجرثومية التي تلقي تبعات الانتشار على عدو خارجي تصرفت القيادة الصينية بمسؤولية عالية واستطاعت تجنيد القدرات الشعبية التي عبأتها بسرعة في معركة شاملة ضد الوباء وهو ما يؤكد قدراتها الواسعة إعلاميا وسياسيا وميدانيا والثقة العالية بين حكومتها وقيادتها وشعبها ودرجة المسؤولية التي يتحملها الرأي العام الصيني كثقافة راسخة انعكست في التكيف السلوكي المناسب مع تدابير الحد من انتشار الفيروس ومحاصرة تفاعلاته رغم الكلفة الاقتصادية والمالية الباهظة لجهود المؤسسات الحكومية التي رمت بثقلها في التصدي للخطر.

ثانيا ظهرت مفارقات الاستجابة والقدرة بالمقارنة بين الحالة الصينية وسواها وخصوصا في حالة إيطاليا التي شهدت في السنوات الأخيرة موجة ضارية من الخصخصة النيوليبرالية وتفكيكا منهجيا لمنظومات الخدمة العامة رغم ان فيها خدمات طبية عامة جيدة نجت من زحف عمليات بيع المرافق العامة التي أغرقت البلاد وسط حالة من التشظي السياسي وقد اضطرت السلطات المسؤولة للاستعانة بالصين وبخطتها الدفاعية التي اختبرت واقعيا في حين كان ما تبقى من نظام الخدمة العامة في فرنسا يعطيها ميزة افضل في الحد من الانتشار قياسا لحالة الجار الإيطالي الذي دفع حتى الآن كلفة عالية للكارثة الزاحفة ويمكن أيضا القول ان تفوق نماذج الخدمة العامة والمرافق الصحية المرتبطة به ووجود مواقع للبحث العلمي وشبكات من المختبرات والمستشفيات الحكومية والمرافق الطبية المتقدمة هو الذي يحقق مناعة الدول والمجتمعات ويرفع من قدرتها على الحد من الانتشار خصوصا حين تتوافر الاستجابة الشعبية للتوجيهات.

ثالثا بيت القصيد من هذه العبرة هو تجربتنا اللبنانية المحكومة من عقود بفكرة نكران اهمية المرافق العامة  وتسفيه مفهوم الخدمة العامة وترويج فكرة بيع الخدمات العامة او تلزيمها للشركات المحلية او الأجنبية فالخلاصة الأولية التي ينبغي إثباتها هي ان المستشفيات الحكومية تسترد اعتبارها في زمن الكارثة بعد ما اهملها النموذج الريعي وحكم عليها بالموت ولم يقدم لها ما ينبغي من الرعاية كأولوية في الموازنات والاعتمادات مع انها تمثل إحدى مرتكزات التوازن التنموي وتفرضها التلبية الملحة لاحتياجات شعبية رئيسية في جميع المناطق وتزيد في إلحاحها المشكلات المعيشية التي سببها النموذج الاقتصادي الذي دخل في حالة انهيار فاضحة بعدما صنعته الأكاذيب والأوهام طيلة ثلاثين عاما وينبغي القول ثبت بالتجربة ان من طرحوا التخفف من المرافق العامة وعرضها للبيع والذين تربص بعضهم بالمستشفيات الحكومية بكل صلافة كانوا حلفاء لشتى انواع الأمراض والأوبئة التي تهدد حياة الفقراء ومحدودي الدخل فكيف والحال في مجابهة كارثة وتهديد وجودي كتفشي وباء قاتل.

رابعا على الصعيد الإعلامي اكدت الكارثة الصحية بوضوح في جميع دول العالم اهمية تصرف الإعلام العام والخاص كمرفق عام في مجابهة الكوارث ومفهوم المرفق العام منصوص عليه في القانون اللبناني لكن التهمته الفوضى وبدده غياب تطبيق القانون الناظم عن الممارسة  الحكومية لصالح الفلتان والتوحش وهو ما اغرق المواجهة مع كورونا في خلل كبير خلال العشرين يوما الأولى من ظهور الفيروس في لبنان واليوم يعترف من استخفوا بالخطر وبحراجة التحدي وبخسوا من تدابير الوقاية وسخفوا توجيهات وزارة الصحة العامة بانهم استحقوا فعالية الخطر المتربص باللبنانيين بعدما تحول الفيروس إلى وباء عالمي وهي اعترافات نشهدها على الهواء مباشرة وعبر المؤسسات التي روجت بدوافع سياسية للخفة والاستهتار وذهبت إلى الردح السياسي بدافع النيل من الحكومة وتدابيرها وكان الغريب العجيب أن يفسح التلفزيون العام بعض هوائه للحملات السياسية التي تستهدف الحكومة وينضم للجوقة التي اختارت التحالف مع الوباء فالردح السخيف والإلحاح على شعارات معينة من نوع دعوة بعض الحراكيين عبر تلفزيون لبنان  إلى إسقاط الحكومة في زحمة الكورونا هوترويج  لشعار يشكل جزءا من أدوات ضرب المناعة وكسر التضامن الوطني في مجابهة الوباء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى