بقلم غالب قنديل

الفرصة المحاصرة

غالب قنديل

تشير الوقائع الميدانية إلى تراجع زخم التحركات والحراكات التي باتت واقعيا عبارة عن مجموعات منظمة تنتقل بين المحافظات بتخطيط مسبق وخلفها شبكة من القوى السياسية والمجموعات الحراكية التي تعكس بعض تلاوين الطيف المنظم المنخرط في نشاط الساحات والشوارع منذ انتفاضة الأيام الثلاثة في 17 تشرين الأول.

 

أولا يسود الانتظار والترقب لما ستقوم به الحكومة الجديدة بعد جلسة الثقة وقد مال الناس العاديون بطبعهم إلى التجاوب مع طلب الرئيس حسان دياب لفرصة المحاولة الإنقاذية التي تسعى إليها الحكومة رغم حملات التهويل والحصار السياسي التي تتجند لها منابر إعلامية فاعلة ومشبوكة وحيث يبدو ان خيوط الكواليس ترغب في تعويض انحسار الجموع برفع وتائر الضجيج.

قبل التعرف على البيان الوزاري وبرنامج عمل الحكومة تلاحقت المواقف المسبقة التي تتخذها بعض الجهات السياسية بشن حملات تحريض متعددة الأشكال ضد الحكومة التي تنحصر تغطيتها السياسية نظريا في حلف الثامن من آذار والتيار الوطني الحر بسبب رفض القوى الأخرى أي شراكة في مساعي احتواء الأزمة الخطيرة.

تلك القوى كان لها الباع الطويل في النهج الذي قاد البلد نحو الانهيار وهي ساهمت في توقيته من خلال دورها المباشر في خنق البلاد اقتصاديا بمنع التواصل مع المحيط القومي وفي اعتراضها لأي خطوة في العلاقة مع الشقيقة سورية ومع ممارستها التحريض ضد المقاومة وسعيها الدائم لتفعيل العقوبات الأميركية التي ساهمت في الانهيار المالي والنقدي الحاصل وكذلك عبر تبني تلك الجهات السياسية لنهج نزع الحماية والدعم عن الصناعة والزراعة وإباحية السوق وحماية المواقع الاحتكارية في النموذج الريعي القائم على المديونية المتفاقمة ولها في تلك المواقع حصص معروفة.

ثانيا غالبية اللبنانيين تنتظر خطوات عملية متواضعة تحد من نتائج الانهيار وتكبح تراجع القدرة الشرائية وتطمئن المودعين الصغار بينما سيكون المطلوب من الحكومة فور نيلها الثقة أن تتحرك لاقتراح التشريعات واتخاذ القرارات العملية التي يمكن لانعكاسها المعيشي أن يرسمل ثقة شعبية في الشارع لابد منها للإقلاع في أي ورشة إنقاذية.

رغم بعض الوعود والإيحاءات بالتجاوب مع طلب المساعدة يفترض المنطق العلمي برئيس الحكومة وفريقه التحسب لشح المساعدات الخارجية ولاحتمال اقترانها بضغوط سياسية مدبرة وهو ما تشي به تسريبات أبواق محلية مرتهنة للخارج وتابعة للغرب تقليديا.

شرعت بعض وسائل الإعلام تردد معلومات عن ضغوط أميركية واسرائيلية تطال عواصم الغرب الأوروبي وتسابق رئيس الحكومة إلى عواصم الخليج ولايفترض بأي كان المبالغة بتبني المنطق الرائج في صفوف الفريق الوطني حول مخاطر التخلي عن دعم لبنان ومساعدته ماليا على الغرب الأوروبي الذي برهنت التجارب في السنوات الأخيرة درجة استجابته السياسية للطلبات الأميركية والصهيونية وكفى بيوميات العدوان على سورية إثباتا ودليلا لمن يتملكه وهم التمايز بين واشنطن والعواصم الأوروبية الرئيسية.

ثالثا يقول البعض إن الغرب سيعامل لبنان ماليا على طريقة “دعه لايقع ولا تساعده على الوقوف” وهذا يتطلب من الحكومة خطة تنطلق من تدابير داخلية ومن خيارات خارجية غير احادية الاتجاه بحيث تنوع من مروحة الشراكات المحتملة بدءا من العلاقات مع الشقيقتين سورية والعراق وطرق أبواب روسيا والصين وإيران في السعي إلى شراكات اقتصادية وتمويلية متوازنة اما في الداخل فإن الترجمة الواقعية لشعار الانتقال من الريع إلى الإنتاج يجب ان تنعكس بخطط عمل لتطوير الصناعة والزراعة من خلال بديهيات التنمية الإنتاجية التي تقوم على تسهيلات وإعفاءات وتدابير حمائية لابد منها لسنوات وهي في لبنان تتطلب تيسير الحصول على المواد الضرورية للإنتاج بأسعار جيدة وهذا ما يفترض إنهاء احتكار الوكالات التجارية في السوق وفتح مسارات الحصول على كل ما يخدم تفعيل الإنتاج الزراعي والصناعي بأقل كلفة ممكنة إضافة إلى تسهيل التصدير وتيسير الأسواق المتاحة وهذا يفترض ان يكون محور التحرك العربي والدولي للحكومة.

إن وضع خطة تتضمن البدائل والتصدي للضغوط التي تمس بالسيادة الوطنية هو الخيار الصحيح الذي يفترض بالقوى الداعمة للحكومة ان تشجعه وتسانده بقوة وان تؤكد حضورها السياسي والشعبي لاحتضان الحكومة في وجه ما قد تتعرض له من هجمات سياسية ومشاغبات في الشوارع لشلها وتعطيلها بعد استنزافها سياسيا ومعنويا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى