بقلم غالب قنديل

غضب الساحات وسلطة الحواجز

غالب قنديل

يندفع الشباب الغاضب في تحرك تمت مواكبته بواسطة مؤسسات إعلامية لم تكن بريئة يوما في تعاملها مع الأحداث السياسية او الأمنية او الاقتصادية وليس مالكوها منزهين عن شبهات الارتباط بأجندات ومصالح كثيرة معروفة في الداخل والخارج وكثيرة أيضا هي البراهين في السنوات الأخيرة وهو ما تفضحه العودة بالذاكرة للمحاسبة على حملات ترويج الانطباعات والإيحاءات المضللة التي روجتها عدة شاشات وإذاعات بهدف توريط الجمهور وتحريضه مذهبيا وطائفيا ودفعه في حمى الاقتتال من خلال تزوير صورة عصابات الإرهاب التي ألبستها منابر إعلامية قناع الثورة والثورية ومكنتها من احتلال مواقع على الأرض وتحويلها لأوكار إجرام تصدر الموت إلى سائر المناطق اللبنانية.

 

تفجرت الهبة الشعبية نتيجة البطالة والفقر والضائقة المعيشية الطاحنة التي يعيشها اللبنانيون من سنوات ودفعت جموعهم إلى الاحتجاج على واقع سياسي حافل بمظاهر البطر والبذخ والسمسرة والرضوخ للهيمنة الأجنبية التي كانت أخطر مصادر تفاقم الأزمة الاقتصادية والمالية التي قادت إلى انفجار الغضب الشعبي وفتحت الأبواب امام خليط من القوى الطامحة لتوظيف السخط المتفجر واستغلاله لحسابات ومصالح بدأت تتكشف في ثنايا حراك عام تتربص به جهات مكتومة الهوية توزع أوامر خطية على حواجز قطع الطرق التي ظهرت فيها مشاهد لاتشبه براءة الغاضبين ولا روح الشباب الذين تخطف ثورتهم جهات سياسية لا تكشف عن وجهها وتختبيء خلف قناع الحراك وهويتها تتوضح في تدحرج الخطوات والشروط بتقنيات تصاعدية شهدنا مثلها في هبات الربيع المشؤوم التي قادت إلى حالات من الفوضى فحل خلفها إحباط كبير تبدت ملامحه في السنوات الأخيرة في اكثر من بلد عربي.

ما يحمي الحراك الشعبي من الفشل والإحباط هو صياغة برنامج يحقق التغيير المنشود في حياة اللبنانيين ويمنع استثمار الهبة الشعبية وتجييرها لخدمة مصالح سياسية تتعلق بالصراع على الحصص داخل نظام التقاسم الريعي وعبر التأسيس لقيام دولة وطنية بإسقاط الوصاية الأميركية والتحرر من الهيمنة الغربية لتنمية الصناعة والزراعة والسياحة وتأمين فرص العمل والغريب أن تغيب مثل هذه الأهداف عن ساحات الاحتشاد هي ومطلب إزاحة حاكم المصرف المركزي بدلا من تكرار التغني بالوحدة الوطنية التي جسدها تلاقي اللبنانيين من خارج عصبيات الطوائف والمذاهب لم يتبنى الحراك بوضوح  فكرة قانون انتخاب نسبي خارج القيد الطائفي واعتماد الدائرة الانتخابية الواحدة إضافة إلى تأسيس مجلس الشيوخ كما نص اتفاق الطائف.

من المفارقات الخطيرة ان تنطلق من بعض المشاركين دعوات للتدخل الخارجي بصيغ متعددة وان يتباهى بعض المشاركين بوجود دعم دولي يحمي قاطعي الطرقات باسم الحراك دون ان يتصدى ناشطو الساحات لذلك في حين صدرت دعوات سافرة لوصاية اجنبية تشبها بتجارب بلدان الربيع المزعوم التي فرضت عليها سلطة انتداب اجنبية او اممية بنتيجة الفوضى المنظمة التي سيطرت عليها واطاحت بانظمتها وأنشبت في ثرواتها مخالب النهب الاستعماري المباشر.

موجة قطع الطرقات تؤدي إلى شلل تام اقتصادي ومعيشي بصورة بدأ الناس يلمسون نتائجها بارتفاع أسعار جميع السلع الاستهلاكية المهددة بالاختفاء وهي ستؤلب المواطنين ضد كل ما يجري على الأرض كلما طال الزمن عدا عن تفاقم الشكوى من سلوكيات الحواجز وتحولها إلى سلطة غاشمة تتحكم بالناس وتحيي ذكريات الحرب البغيضة وسلطات الأمر الواقع بينما يقول بعض الخبراء ان ارتفاع سعر صرف الدولار قد يكون اول نتائج التدفق المتوقع إلى البنوك لقبض الرواتب او الودائع او الحوالات المرسلة من الأقارب العاملين في الخارج وفي أبسط الأحوال سترتفع كلفة تثبيت سعر الصرف.

بعض القيمين على الحواجز في بعض المناطق يحملون ارتباطاتهم الحزبية ويخفونها تحت يافطة الحراك وهم يمارسون في بعض الحالات سلوكيات أثارت مخاوف وشكاوى الناس الذين يفترض ان الغاية هي تحقيق خلاصهم من المعاناة المشتركة بل توجه بعضهم بخطب استفزازية تضمنت إهانات لسائر اللبنانيين الذين لم يشاركوا في الساحات إضافة إلى خطب استعلائية وشتائم ضد المصممين على الذهاب إلى اشغالهم بحثا عن لقمة العيش المفترض ان حمايتها هي غاية الحراك العليا ومن المستغرب ان تلبس الحواجز وظيفة استثارة الوعي بقوة المنع أوفرض الإغلاق التام بالقوة.

عطل الضغط الأميركي السياسي حسب المعلومات فتح الطرق ومنعت اتصالات السفارة الأميركية تحرك الجيش وقوى الأمن الداخلي لفتح الطرق بينما المنتشرون على الحواجز هم مجموعات صغيرة مجهولة القيادة والهرمية والمرجعية مما يعزز المخاوف من خطة فعلية لإدامة الفوضى والشلل وإغراق البلد في متاهة تمهد لفرض رضوخ شامل للمشيئة الأميركية بإعادة تكوين السلطة السياسية على قاعدة الخضوع للهيمنة باستهداف معارضي السيطرة الأميركية ومخالفيها والمؤشرات كثيرة في سيناريوهات التفاوض حول التعديل أو التغييرالحكومي الذي طرحه رئيس الجمهورية في مبادرته لمحاورة شباب الساحات التي ظلت دون تجاوب جدي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى