بقلم غالب قنديل

خيبة الرهان على أردوغان

غالب قنديل

بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا والتقارب الروسي والإيراني مع الرئيس رجب طيب أردوغان قيل الكثيرعن دور طهران وموسكو في إسعاف نظام الحكم الأخواني خلال اللحظات الحرجة بسبب الخوف من ان يؤدي انهياره إلى تفجير بؤرة ضخمة للفوضى والمخاطر على صعيد المنطقة برمتها وما يحمله ذلك من تهديد وشيك لكل من روسيا وإيران المجاورتين والمتداخليتن جغرافيا وعرقيا واقتصاديا وسياسيا وأمنيا مع الجغرافيا السياسية والديمغرافية التركية.

 

الرهان الذي ظهر إعلاميا في بيئة محور المقاومة على استمالة تركيا وجذبها خلال مخاض التشكل الجاري لإدارة اميركية جديدة طغت عليه مبالغات عاطفية لم تتصف بالواقعية العلمية ولدرجة الحديث الافتراضي عن انقلاب الرئيس التركي من محور إلى محور في طرفة عين في وقت كان يبدو التعامل الفعلي  الروسي والإيراني والسوري مع الموقف التركي حذرا ودقيقا ومن خلال تناغم سياسي مدروس بين الشركاء الثلاثة:

         أظهرت دمشق حزما سياسيا واضحا بالتعامل مع الغزو التركي كاحتلال وفي رفض أي مساكنة مع هذا الدور العدواني الجلف بأي ذريعة كزعم أردوغان لرغبته في محاربة داعش التي تعيد تموضعها في الباب باتفاقات مع المخابرات التركية التي ربت داعش ودربتها في حضنها وحرست مصادر تمويلها منذ انفلاشها في العراق ولاحقا في سورية وبالتوازي مع هذا الموقف السياسي تحرك الجيش العربي السوري إلى تخوم مناطق الاختراق التركي في الشمال.

         تتصدى إيران حاليا بحزم لاستدارة تركيا ضدها التي كانت اولى إشارات أردوغان لمضمون توجهاته بعد استعادة حرارة علاقته بالسيد الأميركي حيث ولاؤه الأساسي وثقل ارتباطه الخارجي وهذا امر ليس مفاجئا لأي قاريء  متبصر بعدما كشفت التطورات أن الرئيس التركي الذي تهمه المصالح المشتركة مع روسيا وإيران بدون شك لكنه مشدود إلى بنية متشعبة من المصالح الاقتصادية والأمنية والارتباطات السياسية والاستراتيجية التركية المحكومة بالتبعية للغرب وللولايات المتحدة خصوصا منذ عشرات السنين وهي بنية راسخة ولها منطقها وبالتالي فتحرك تركيا بتوجيه أميركي نحو استعادة حرارة التحالف مع الكيان الصهيوني والمملكة السعودية وتكيفها مع التخطيط الأميركي لاستثارة الوقيعة بين روسيا وإيران في سورية هو التجسيد الحرفي لحقيقة انتمائها لمنظومة الهيمنة الاستعمارية .

         حتى الساعة شكل الاستثمار الوحيد في التأثير الروسي على الموقف التركي من خلال التقدم الذي حققه الجيش العربي السوري تحت تأثير اتفاقات الهدنة التي أبرمت في أستانا بينما تستعر معارك الاقتتال الداخلي في صفوف العصابات المسيطرة على محافظة إدلب نتيجة مفاعيل الاتفاقات التي لم تقدم عبرها تركيا او عملاؤها أي مبادرات جدية للذهاب أبعد من مجرد وقف القتال وسعت من خلالها لحماية مواقع عملائها من خطر الانهيار في دومينو ما بعد انتصار الجيش السوري وحلفائه في حلب وبعد التحولات التركية الأخيرة بات اتفاق موسكو شبه معلق .

         تراود أردوغان اوهام مقيمة ومستمرة واطماع كثيرة في سورية واحقاد على الدولة الوطنية السورية ورئيسها وهو ما تعبر عنه تصريحاته التي سحبها بعدما تبلغ لوما قاسيا روسيا عندما هدد بالزحف إلى دمشق بعد احتلال الباب وبينما هو يعادي سورية وإيران يغازل كلا من السعودية وإسرائيل كتجسيد لكون نظامه وتنظيمه الخوانيان في سلة عملاء الاستعمار الغربي بقيادة الولايات المتحدة ويتحركان بناء على المشيئة الأميركية.

إن التحدي الراهن امام القيادة السورية وكل من روسيا وإيران  هو اتخاذ المواقف والمبادرات التي تردع نظام الوهم العثماني وتضع حدا لعربدته وتنمره في سورية والتحسب لتفلتاته العدوانية على الأرض حتى لو اقتضى ذلك اتخاذ التدابير السياسية والاقتصادية المناسبة لقرصه بشدة  بل واستعادة زخم العمليات الهجومية على جميع المحاور الممكنة التي تتيح تلقين أردوغان الدروس المناسبة  يجب ان يفهم أردوغان ان وقت الدلع انتهى وانه فوت فرصة ثمينة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى