بقلم غالب قنديل

على هامش ازمة المستقبل

غالب قنديل

يشغل موضوع الأزمة التي يجتازها تيار المستقبل حيزا بارزا من الاهتمام السياسي والإعلامي اللبناني في الفترة الأخيرة ومما لاشك فيه أن محورية هذا الموضوع وأهميته مستمدة من كونه يخص القوة المركزية الحاكمة في لبنان منذ اتفاق الطائف والتي فرضت خيارها الاقتصادي الاجتماعي والسياسي على البلاد وهيمنت داخل مؤسسات الدولة على مفاصل القرار الرئيسية وقد صعد دورها مذاك بقوة دفع وحماية شكلها تفاهم دولي إقليمي أميركي سعودي سوري وظف في جانب رئيسي من نتائجه ثقل سورية السياسي والعسكري لتأمين تقدم المشروع الحريري على الأرض وإلغاء او تحجيم منافسيه بدون استثناء .

لعبت القدرات المالية السعودية والحريرية دورا في بلورة قوة استقطاب اجتماعية للحريرية تعدت الطائفة السنية التي كانت ميدانها المركزي منذ تبلور النواة الأولى لهذا المشروع في ثمانينيات القرن الماضي ولكن لا يمكن حصر تفسير الأزمة الراهنة وتعبيراتها التنظيمية بتراجع القدرات المالية للرئيس سعد الحريري وهو امر يرتبط بعوامل كثيرة اقتصادية وسياسية سعودية أساسا ودولية عموما فالمال السياسي السعودي المصدر شكل عصبا رئيسيا في تكوين التيار الحريري خلال البدايات ومن ثم مردود السيطرة على الحكم بما فيه من مصالح ومنافع أقلها ما تكشف من صفقات سوكلين ومثيلاتها وما تردد عن محافظ سندات الخزينة وأسهم سوليدير وغير ذلك الكثير لكن جوهر الصعود والهبوط في السياسة لا يمكن فهمه بالمبالغة في ملاحقة بورصة شراء الولاءات التي ليست كافية لفهم العديد من الظواهر السياسية الاجتماعية.

يتحصن الرئيس الحريري خلف شعار الاعتدال السياسي ليقدم نفسه كخيار لابد منه في معادلة الشراكة الوطنية وليقول إن بديل حزبه هو جماعات التكفير والتطرف والحقيقة ان الحريرية سعت لإلغاء الزعامات والقوى التي كانت أكثر جدية ووضوحا في اعتدالها وأشد جذرية في المعركة ضد التطرف وحاولت بذلك احتكار مكانة تمثيلية على حساب من يخالفونها الرأي والموقف في قضايا اخرى سياسية واجتماعية واقتصادية وهي لذلك كانت في حرب مستمرة ضد الرئيس الراحل عمر كرامي والرئيس سليم الحص وشخصيات عديدة اضطرت لمصالحة بعضها مؤخرا في الانتخابات البلدية لتحاشي معارك مكلفة.

ولكن الحريرية لا تخوض معركة الفرز بين معتدلين ومتطرفين ولو كانت كذلك لما احتفظت بخطاب عدائي واستفزازي ضد حزب الله الذي هو رأس حربة في القتال ضد الإرهاب على مستوى المنطقة والعالم ولوجدت فيه حليفا لابد منه لمقاومة خطر يتهدد الجميع ويفترض بادعائها الاعتدال ان تكون تلك اولويتها الحاسمة بينما هي تظهر انفصاما خطيرا فيتمسك المستقبل بالحوار مع حزب الله ويتبنى خطابا مشحونا بالكراهية والعداوة ضده وهو بذلك يصب الماء في طاحون الخارجين عليه الذين يمثلون نهجا عدائيا متطرفا ويعارضون التكيف الحريري مع منطق التسويات وفي مقدمة ذلك الحوار مع الحزب .

مشكلة الحريرية الكبرى انها تخيلت امتلاكها لقدرة افتراضية على تمرير تحالفاتها الانتخابية من خارج الالتزام السياسي الواضح بالشراكة مع خصوم الأمس ومن غير أي رؤية سياسية تفسر ذلك لمن حقنتهم بعداوة راسخة ضد حلفائها المستجدين وشكل الحديث عن الانتخابات البلدية بالذريعة الإنمائية غطاءا واهيا لذلك فلم يخرج الرئيس سعد الحريري ليشرح للمحازين والجمهور لماذا تشارك اللوائح مع عبد الرحيم مراد ونجيب ميقاتي ومحمد الصفدي وفيصل كرامي واعترف بأوزان من سعى لشطبهم كليا بينما يحفظ الجمهور لتيار المستقبل ووسائل إعلامه تحريضه عليهم وعلى سواهم من رموز الثامن آذار الآخرين كأسامة سعد وزاهر الخطيب وجهاد الصمد ومصطفى حمدان والشيخ ماهر حمود وغيرهم.

الارتباك الحريري تظهره أيضا محاولة يائسة للجمع بين يافطة الاعتدال واستمرار احتضان المتطرفين وداعمي التكفير والجماعات الإرهابية التي قاتلت في سورية انطلاقا من حضن المستقبل في لبنان ومع ترداد الشعارات العدائية ضد الدولة السورية والرئيس بشار الأسد بحقد طائش .

بعد سنوات من احتضان المستقبل لقوى التطرف التكفيري وتورطه في إنشاء قواعد لهم للمشاركة في الحرب على سورية أفرزت تركيبة تيار المستقبل ممثلين واضحين للخيار المتطرف عبروا عن انفسهم والمعضلة التي تواجه قيادة المستقبل أنهم يسعون إلى استقطاب شعبوي داخل جمهور الحريرية بجذب جموع الناقمين من الفقراء والمهمشين وحاصدي الوعود الحريرية الخائبة وهذه أرضية كافية لتكوين تجمعات منشقة عن المستقبل لا يستهان بوزنها تقف خلف خالد الضاهر ومعين المرعبي وأشرف ريفي وسواهم فقيادة المستقبل لم تجر مراجعة جدية لخياراتها في الحرب السورية وكلما تمسك الحريري بلهجته العدائية ضد حزب الله وضد الرئيس بشار الأسد وصمم على تبنيه لمن يسميهم بالثوار السوريين حول مجاري الاستقطاب إلى من ينازعونه على الزعامة وهكذا إن لم يجرؤ الحريري على إجراء مكاشفة نقدية حول ما تورط به وورط خلفه مئات العائلات التي فقدت أبناءها في سورية فلن يميز نفسه عن خصومه داخل التيار وسيخدم منطقهم بتحريضه المتطرف الذي يكسبهم وزنا مضافا في قواعد المستقبل.

الحقيقة التي يجب الالتفات إليها هي ان الفئات الاجتماعية الوسطى كانت ركيزة صعود الحريرية خصوصا في المدن وهي فئات جذبتها شعارات العمران البراقة ووعود الرخاء وفرص العمل لكنها صدمت بالنتائج بعد ربع قرن بفعل تبني المستقبل لنهج اقتصادي اجتماعي متوحش تمثله أفكار الرئيس فؤاد السنيورة الذي خاض معركة منع تعديل سلسلة الرواتب وقاوم بشدة أي إصلاح اقتصادي اجتماعي بينما يحمل المستقبل سياسيا في نظر هذه الشرائح المتعلمة والمتنورة مسؤولية مركزية عن واقع تعفن المؤسسات وعن ازمات كبرى هزت المجتمع كأزمة النفايات وبكل ما احاط بها من فضائح ، مما يجعل التيار مسؤولا عن طحن الفئات الوسطى وقتل آمالها الليبرالية وهو استهلك انتظارها الطويل لقيام دولة حديثة مما دفع تلك الفئات إلى التمايز عن المستقبل وهو ما عبرت عنه ظاهرة بيروت مدينتي في انتخابات بلدية العاصمة وفيها حريريون متطرفون من حيث الانتماء السياسي لكنهم أرادوا إيصال صرخة احتجاج عالية على قيادة خذلتهم.

لكل تلك الأسباب وسواها الكثير سيكون الشيخ سعد امام خيارين فإما الخضوع لمناوئيه والرضوخ لتوازن جديد في حزبه يتحكم به الخارجون على زعامته أو تآكل تلك الزعامة بفعل العجز عن الانتقال إلى توجه سياسي جديد يقوم على الفرز الصارم ضد التطرف والتعصب والانفتاح على القوى الداعية للإصلاح الاقتصادي الاجتماعي داخل المستقبل وخارجه ومراجعة اخطائه السياسية الفادحة خلال السنوات الماضية لا سيما في العلاقة مع حزب الله والموقف من سورية وهذا مستحيل التحقق بدون التحرر من الأفكار المسبقة الرافضة للتغيير ومن غير التخلي عن بديهية التماس الرضا السعودي قبل أي شيء بدلا من الاحتكام إلى المصلحة اللبنانية التي تقاس عليها سائر الأمور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى