تقارير ووثائق

منصّات أ.د. بثينة شعبان

تبدو منصّات الإعلام والسياسة اليوم متحكمة بالرأي العام العالمي بغض النظر عمّا يجري على أرض الواقع؛

فكيف لأي إنسان أن يعرف حقيقة ما داهم العالم من فيروس أطلق عليه كوفيد  19 وأصبح قضية تجاذب بين الشرق والغرب وقضية برهان على قوة الدول أو ضعفها وخاصة في ظلّ تضارب الأخبار والتوقعات والتحليلات التي ملأت الفضاء الافتراضي بحيث لا يعلم حتى المختصون في الصحة والعلاج ما إذا كان من الأفضل أن يأخذوا اللقاح أم لا، وأي لقاح يختارون وماهي العواقب المحتملة لأي خيار يلجأون إليه وأي قرار يتخذونه. والأمر ذاته يسري على أي شأن آخر سياسي أم اقتصادي أم مجتمعي أم فني، ولكنّ ظاهرة الكورونا لافتة لأنها تخصّ حياة البشر وطريقة عيشهم وتواصلهم مع أحبائهم ومدارس أبنائهم ومستقبل أعمالهم وقراراتهم المهنية والحياتية. وإذا ما تفكرنا في شؤون أخرى، قد تبدو انعكاساتها أقلّ خطراً على المدى القصير لكنها ذات تأثير لا يستهان به على المديين المتوسط والبعيد، نكتشف أننا محكومون أيضاً بمنصات ذات اختصاصات مختلفة تقرّب البعيد وتبعّد القريب دون أن يكون لدينا أية وسيلة للتحقّق من صحة ما يمطرونا به من معلومات وتقييمات حتى حول واقعنا المعاش أحياناً. وفي كلّ مسألة نتروى للتدقيق والتمحيص بها نكتشف في النهاية أن هناك “إدارة ما” في “مكان ما” توجّه الأمور بهذا الاتجاه أو ذاك.

والأمثلة تكاد لا تعدّ ولا تحصى ولكن ما صعقني مؤخراً هو مثال الحرب على اليمن والموقف من الحوثيين؛ فلقد أصدرت إدارة ترامب قراراً اعتبرت فيه أنصار الله منظمة إرهابية وأخذ هذا القرار مساره دون أن تعترض الدول الغربية عليه ودون أن تقوم الدنيا ولا تقعد. ومازالت الحرب الظالمة على اليمن تتسبب بتدمير هذا البلد الجميل المسالم منذ سنوات، ومازال أهل اليمن الفقراء أصلاً، إلا في العزيمة والإرادة التاريخية، يعانون من قتل ظالم ممنهج ضد المدنيين الأبرياء، وآثار اليمن الفريدة في العالم تصبح عرضة لقصف عشوائي لا يعلم أحد في العالم أسبابه وأهدافه، وبقي من يسمون أنفسهم الأسرة الدولية أو المجتمع الدولي صامتين في معظم الأحيان ما عدا بعض العبارات الخجولة هنا وهناك، وبقيت منصاتهم الإعلامية وعلى مدى سنوات تتجاهل موت أطفال اليمن نتيجة النقص الشديد في الغذاء والدواء وكأن ما يجري في اليمن يجري على كوكب آخر لا علاقة له بالكوكب الذي يعيشون عليه. فجأة ودون سابق إنذار فُتحت قناة بين الكوكبين وبدأت البرامج تبثّ صور ناقلات أطفال المدارس في اليمن التي أصبحت ركاماً بعد دقائق من انطلاقها، وصور الأطفال التي تكاد أن تموت جوعاً. وفجأة تنبّه بعض الأوروبيين أنهم يتحملون جزءاً من الوزر نتيجة تصدير السلاح إلى السعودية والقوى الأخرى التي تستهدف اليمن، وفجأة ارتفعت أصوات المطالبين بوقف تصدير السلاح إلى كل من يساهم في الحرب على اليمن.  ورغم سعادتنا وارتياحنا لانطلاق هذا التوجه لم أستطع أن أغفل السؤال: أين كنتم كلّ هذه السنوات؟ وما هو العامل المسكوت عنه الذي حرّك منصاتكم للتعاطف مع اليمن واستهداف من يشن الحرب عليها بطريقة أو بأخرى؟ وكي لا تمارسوا ذكاءكم علينا أقول سلفاً إن تحرككم لم يكن أبداً لأسباب إنسانية لها علاقة بتعاطفكم مع الشعب اليمني أو حزنكم على ما ألمّ به أو حرصكم الذي تدعون على حقوق الإنسان أو موقفكم الذي تحاولون إصباغ النبل عليه ضد الحروب الظالمة؛ إذ مازالت قراراتكم تفرض على الشعب السوري والعراقي والليبي والكوبي والفنزويلي والأفغاني أقصى درجات المعاناة لملايين من أناس أبرياء لم يقترفوا ذنباً بحقكم؛ إذ لا شك أن تغيير وجهتكم من الحرب على اليمن لها علاقة بحساباتكم واعتباراتكم ولاعلاقة لها بحرصكم على حياة البشر.

الأمر ذاته ينطبق على الموقف من التسوية في ليبيا؛ فمنذ أن قصف الحلفاء هذا البلد الآمن واتخذوا قراراً بنهب ذهبه ونفطه وثرواته وهم يدّعون أن “المشكلة الليبية”، والتي هي من صنع أيديهم، معقدة ومستعصية على الحل، وفجأة نجد أن أبواب الحوار والتفاهم قد فتحت على مصراعيها وأن التسوية ممكنة، ولاشكّ أنها ممكنة بما يرضيهم ويستجيب لأطماعهم في هذا البلد. وفي كلتا الحالتين لم يصغِ العالم لا لليمنيين ولا لليبيين مع أنهم هم أصحاب الشأن وهم المعنيون ببلادهم أولاً وأخيراً، ولكن التقييمات تصلنا دائماً من مسؤول أمريكي أو أوروبي حول ما يجري في هذه البلدان.

ربما كان هذا هو الخطر الأكبر الذي شكله الاتحاد السوفياتي على الغرب والذي ترى الإدارة الأمريكية أن هذا الخطر اليوم تمثله الصين، بينما ترى أوروبا أن روسيا قد تمثل مثل هذا الخطر. الخطر هو أن يكون لقوة أخرى في العالم منصة مسموعة وموثوقة تنافس المنصات الغربية التي تغزو العالم بأخبارها وتحليلاتها واستشرافاتها لشكل المستقبل.

في زمن الحرب الباردة كان العالم منقسماً إلى فريقين وكل فريق له منصاته المعتمدة والموثوقة، ولكن منذ انهيار الاتحاد السوفياتي احتكر الغرب هذه المنصات وأصبح هو المصدر الوحيد للخبر والرأي والتقييم حتى بشأن البلدان التي ترفض هيمنته وتعمل جاهدة للتحرر من أدواته وأسلوبه ولكنها تقع تحت وطأة إعلامه ورأي هذا الإعلام في كل صغيرة وكبيرة وفي كل ما يجري في العالم.

اليوم مع صعود الصين وتطوّر أدائها الإعلامي العالمي بشكل ملحوظ ومع اهتمام روسيا المتزايد بالرأي العام العالمي وخلق منصات لهذا الهدف يجد الغرب نفسه مضطراً للانخراط في الردّ على كل هؤلاء؛ إذ لم تعد الساحة حكراً عليه وحده. ومن هنا نرى أن السجالات الدائرة في العالم اليوم حول أي موضوع هي بين القوى التي تمتلك مثل هذه المنصات وتعمل على تطويرها، أما الدول الأخرى وفي طليعتها الدول العربية فهي كمن يغني في الطاحون، كما يقول المثل، تخاطب ذاتها وواقعها المحلي دون الحلم أن تكون جزءاً من هذا السجال الدولي، على الأقل فيما يخص قضاياها. وفي هذا الصدد فقد نجحت إيران على سبيل المثال بتحقيق حضور إعلامي لافت لأنها اعتمدت سياسة المقارعة للغرب وعدم إغفال أي شيء يصدر بصددها دون الرد عليه ومواجهته بالحقائق والأرقام.

 وما ينطبق على السياسة والإعلام ينطبق وبشكل كبير على الفكر والإنتاج الفكري وتسويقه وتبنّيه؛ إذ أن الغرب خلق مراكز أبحاث تنتج فكراً معيناً له علاقة بالمسائل العالمية في كلّ مكان وأي محاولة اختراق من أي كاتب أو مفكر أو باحث، حتى وإن كان هو الخبير بالواقع وهو الأدرى بالموضوع الذي يكتب عنه، فلا يمكن له أن يحقّق خرقاً إذا لم يمتثل إلى منهجية ورؤية مراكز الأبحاث الغربية والتي غالباً لا تشاطره الرأي حتى فيما يجري في بلده هو، ولا تسمح له بتمرير رؤيته إلا بعد قولبتها في القالب الذي صُنع خصيصاً ليعطي منهجاً معروفاً ومقبولاً لديهم.

نستنتج من كلّ ما سبق أن التحكم هو تحكم بالفكر والفكرة أولاً، وأن هذا التحكم ينتج تحكماً بكل منتجات هذا الفكر وبالسياسات والإعلام الذي سيحمله ويوصله مبتغاه ويحقق أهدافه. وهذا يعني أن إهمال الفكر والمفكرين والمبدعين والمنتجين في هذه المجالات خسارة كبرى. صحيح أننا قد لا نصل إلى مستوى الغرب الذي ينفق المليارات على الجامعات ومراكز الأبحاث ولكن لابدّ لنا أن نعلم من أين نبدأ، وأن نتعلم من الأنموذج الصيني والذي استطاع خلال عقود قليلة أن يشكّل حضوراً عالمياً يثلج قلوب الأصدقاء ويخيف الأعداء.

لن نبلغ مبتغانا بين عشية وضحاها، ولكن مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى