تقارير ووثائق

اختبارات الصواريخ الباليستية

 

لماذا تنجح في ايران وتفشل في كوريا الشمالية ؟

د.منذر سليمان

21 نيسان – ابريل/‏ 2017  

     تصريحات اميركية صاخبة وعالية النبرة تقارب التهور والمجازفة تملأ الفضاء الاعلامي عند اعلان كل من ايران وكوريا الشمالية عن اطلاق تجربة صواريخ باليستية، وتستنفر واشنطن تدق طبول الحرب وتوتير المناخات السياسية.

     سيستعرض التقرير البعد التقني وما وراءه نظرا لتسلسل موجات فشل التجارب في البلدين بدرجات متفاوتة، وتباين نجاحها ايضا، انطلاقا ليس من واقع التفاعل والتعاون بينهما فحسب، بل لاعتمادهما على تصاميم ونماذج من انتاج كوريا الشمالية. والقاء الضوء على اكثر الاحتمالات ترجيحا لفحص مسألة ان يكون الفشل ناجم عن “عدم كفاءة علمية ام نتيجة اعمال تخريب مقصودة.”

     بداية، وفي البعد الاستراتيجي، تعتبر كوريا الشمالية “الحديقة الخلفية” للصين وحليفتها ايضا، كما انها على علاقة جيدة مع روسيا، واللتين لن تسمحا لواشنطن بشن حرب او غزو للبلاد، فضلا عن جملة اعتبارات تكبح واشنطن من فتح جبهة دولية جديدة، وعلى رأسها حرصها على عدم تعريض سلامة ما ينوف عن 80،000 جندي اميركي موزعين على القواعد الاميركية بين اليابان وكوريا الجنوبية لخطر الحرب؛ اضافة لعدة مئات من قواتها البحرية في مياه المحيط الهاديء والتي تطالها صواريخ كوريا الشمالية.

     درجت العادة في اوساط البنتاغون واقطاب القرار السياسي الاميركي على التأكيد القاطع لمزايا الترسانة الاميركية “اعتراض واسقاط” اي مقذوف صاروخي يستهدف اراضيها مصدره كوريا الشمالية. بيد ان احدث تقرير نشرته وكالة ان بي سي نيوز، بتاريخ 19 نيسان/ابريل الجاري، يلقي ظلالاً من الشك على صدقية الزعم، نسبته “لعلماء واخصائيين في علم الصواريخ ومحققين رسميين” في جهاز الدولة.

     واوضح تقرير الشبكة ان ذاك الفريق من الخبراء يحمِّل القيادات العسكرية في البنتاغون مسؤولية الافراط في التفاؤل “لعدم قدرتها الاجابة على اسئلة كبيرة تتعلق بفعالية نظام الدفاع الصاروخي الذي يعلقون آمالاً عليه، بلغت تكلفته 40 مليار دولار .. انهم يطمئنون القادة السياسيين لتقبل امتلاك قدرات عسكرية يفتقدونها.”

     بالمقابل، أقرّ مسؤول في وكالة الدفاع الصاروخي التابعة للبنتاغون بأن برنامج الدفاع الصاروخي عانى من “تحديات تتعلق بكفاءته .. بيد اننا استطعنا ادخال تطورات هامة في السنوات الاخيرة لضمان قدرته على الاداء وفق التصاميم” المعدة.

لعل الأمر المفزع بالنسبة للبنتاغون كان في تقرير هيئة حكومية مستقلة تتبع الكونغرس، مكتب المساءلة الحكومي، اصدرته العام الماضي جاء فيه ان برنامج البنتاغون للدفاع الصاروخي “لم يبرهن بأنه قادر على حماية الاراضي الاميركية خلال الاختبارات” المتواصلة التي اجريت عليه.

     كوريا الشمالية اجرت تجربة على صاروخ ارض – بحر الاسبوع الماضي فشل بعد دقائق معدودة من اطلاقه، وتسبب باضرار في بعض مكونات منصة الاطلاق.

     مسؤولون اميركيون اوضحوا لشبكة فوكس نيوز، مطلع الاسبوع، ان الصاروخ الكوري هو من طراز KN-17، وفق التصنيف العسكري الاميركي، وهو عبارة عن صاروخ يعمل بالوقود السائل ولمرحلة وحيدة قد يستخدم في استهداف السفن البحرية؛ شوهد منصوبا على عربة خلال العرض العسكري الاخير في العاصمة بيونغ يانغ.

     المصادر الاميركية تفيد بأن ذاك الطراز من صواريخ ارض- بحر فشل مرتين خلال مراحل تجربته “بيد ان الرسالة الكورية الموجهة لسفن الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان دالة .. ورسالة تهديد للقوى الخارجية” ايضا.

     ايران بالمقابل نفذت عرضاً عسكرياً مطلع الاسبوع المنصرم احتفالا “بيوم الجيش،” شوهد فيه صواريخ ارض – جو من طراز سيَّد-3 كجزء من نظام للدفاع الجوي بعيد المدى، بافار 373 ، وهو نسخة محلية من نظام اس-300 الروسي.

من اين لكما هذا؟

     يجمع خبراء السلاح الصاروخي على ان تقنية صواريخ كوريا الشمالية، وامتدادا ايران، تستند الى تقنية قديمة من صواريخ سكود السوفيتية، التي اعتمدت بدورها على برنامج المانيا النازية لصواريخ V-2.

     اما المصدر الاساس لصواريخ سكود فكان من مصر ابان عهد الرئيس الاسبق انور السادات الذي “قام بارسال عدد محدود من صواريخ ترسانته لكوريا الشمالية عام 1979 كبادرة حسن نية للتعاون معها في تقنية الصواريخ،” استطاعت بموجبه ادخال تحسينات على التصاميم الاولية وانتجت نظامي هواسونغ – 6 و هواسونغ 7، وفق تفسير شبكة بي بي سي البريطانية، 20 نيسان/ابريل الجاري.

     ابرز ميزات صواريخ سكود انها “مضمونة يعوّل عليها وزهيدة الكلفة.” اما الصاروخ KN-17 المشارك في العرض العسكري فقد لوحظ زعانف مثبتة على مقدمة مخروطه فسره العسكريون بأنها ترمي لتوفير مجال مناورة اضافي اثناء مرحلة العودة من الغلاف الجوي للارض، الأمر الذي يزيد من صعوبة قدرة الدفاعات الصاروخية المنصوبة على متن السفن الحربية من اعتراض الصاروخ وتفجير رأسه الحربي. ويضيف اولئك ان “رسالة الزعانف” تنطوي على تهديد كوري لقطع البحرية الاميركية وحلفائها الاقليميين والحاق الضرر بها.

    

مسببات الفشل

     يوم التاسع والعشرين مطلع العام الجاري اطلقت ايران تجربة على صاروخ باليستي، من طراز خُرامشهر، استطاع التحليق نحو 1،000 كلم بوقود سائل “اصابه انفجار” اثناء التحليق في المرحلة النهائية، وفق ما افادت به شبكة فوكس نيوز، 30 كانون2/يناير. بينما حدد “مسؤول في مجلس الأمن القومي” الاميركي، 1 شباط الماضي، ان الصاروخ هو من طراز شهاب.

     يرجح الخبراء العسكريون الاميركيون أن صاروخ “خُرامشهر” هو اشتقاق متطور من صاروخ موسدان لكوريا الشمالية، يبلغ مداه 4000 كلم بحمولة 500 كلغم. ورجح اولئك سبب الانفجار انه يعود اما “لحادث عرضي او تفجير مقصود.”

     نجحت ايران في اطلاق تجربتين على صواريخ باليستية، تموز 2016 و كانون2 2017، على الرغم من فشل الاخيرة في المرحلة النهائية؛ بينما فشلت 6-8 تجارب كورية على صواريخ موسدان بعد بضع دقائق من الاطلاق. الأمر الذي دفع الاوساط العسكرية الاميركية الى الاستنتاج بأن “ايران لديها مهارات اكبر في مجال تطوير الصواريخ .. تولي اولوية عالية لتحقيق دقة في الاصابة وحسن استخدام الموارد العسكرية.”

     تعرضت تجربة كوريا الشمالية الاخيرة الى فشل بعد قطع الصاروخ مسافة 65 كلم، هوى بعدها في مياه بحر اليابان، بدل استدارة الصاروخ نحو الافق حلق عموديا لمسافة 189 كلم. الاتحاد الاميركي للعلماء المعنيين، وهو هيئة علمية رصينة، رجح قيام السلطات الكورية باقفال محركات الصاروخ عند فشل نظام التوجيه بداخله.

يذكر ان كوريا الشمالية نجحت في اطلاق اربعة صواريخ باليستية الشهر الماضي، والتي قطعت مسافة 1،000 كلم، سقطت ثلاثة منها بالقرب من المياه الاقليمية لليابان.

     الاستخفاف الرسمي الاميركي بالتجربة الكورية ذهب الى مديات ترجح انها “ثمرة جهود قرصنة الكترونية اميركية بدأتها منذ ثلاثة اعوام والتي لها الفضل في افشال ما يعادل 88% من مجمل التجارب الصاروخية لكوريا الشمالية.” (صحيفة نيويورك تايمز). ونقلت يومية ذي ديلي ميل االبريطانية، 6 نيسان الجاري، الرواية عينها مع الفارق ان مصدرها اليقين هو “خبير مقيم في اليابان” رصد الاطلاق مرجحاً ان الفشل ناجم عن “تدخل الكتروني اصاب نظم القيادة والتحكم او التشويش على الاتصالات.”

     بيد ان تلك الرواية لا تصمد طويلا عند اخضاعها للتدقيق العلمي. عند افتراض صحة وجود جهود قرصنة اميركية منظمة، فلماذا لم يتم الاعلان عن “نجاحاتها” ضد برنامج ايران الصاروخي، خاصة عند الاخذ بعين الاعتبار عامل “الهلع الاسرائيلي” والسعودي من البرنامج.

     القرصنة الاميركية ليست جديدة او سرية، عززها تقرير الصحيفة البريطانية بالقول ان “كوريا الشمالية لا يمكنها التيقن من سلامة اي قطع الكترونية مستوردة والتي تمت الموافقة عليها عمدا في ظل نظام العقوبات المفروضة وتعرضت لبرامج الكترونية ضارة وفيروسات.”

     الثابت ان فشل الصاروخ بعد اطلاقه حث سلطات كوريا الشمالية على التدقيق والتحقق من فرقها وطواقمها الفنية بحثا عن مؤشرات “تخاذل او تواطؤ” من بين اعضائها. بالملموس، نستطيع القول ان فشل التجربة ناجم عن “سوء تقدير” محلي، ربما بدافع سرعة تلبية طموحات السلطة السياسية.

     عانت تقنية الصواريخ لكوريا الشمالية من شح الجودة النوعية، كما ثبت في شحنة صواريخ سكود متجهة لايران في ثمانينيات القرن الماضي، اذ هددت الاخيرة بوقف الدفعات المالية المتفق عليها نتيجة عدم رضاها عن الجودة التي لا تضاهي الاصل السوفياتي آنذاك.

     جدير بالذكر ان الاتحاد السوفياتي طور نظام دفع صاروخ سكود ليعمل بالوقود السائل مع الأخذ بعين الاعتبار سهولة تخزينه لفترة زمنية تمتد لعشر سنوات ونقله على متن عربة متحركة لنقطة الانطلاق، خلافا للنموذج الاميركي الذي يتضمن بطاريات معرضة للعطل وشرائح الكترونية.

     نماذج “سكود” تعتمد على سلسلة من حاويات الهواء المضغوط وخزانات وقود التبريد لتشغيل مضخات الوقود والبدء بتشغيل محرك الصاروخ. منذ البدء، لم تدخل الشرائح الالكترونية في التحكم بتشغيل المحرك.

     حدوث التفجير خلال اقل من دقيقتين بعد الاطلاق وعمل المحركات بشكل عادي يشير الى تخلف الشرائح الالكترونية عن اداء مهامها، ويرجح ان ذلك بسبب الافتقار الى المواد الخام غالية الجودة وما يتبعها من مهارة التصنيع وهندسة التصاميم. اما التسليم برواية القرصنة الاميركية تقود الى أن نقطة الضعف في الشرائح ستكون في جهاز محدد.

     فيما يخص نظام التوجيه والتحكم الكوري فيعتقد ان لديه خاصية المناعة من الاختراق او القرصنة، ولا تتزفر معلومات موثقة حول مكوناته وان كانت التقديرات ترجح اعتماده على تقنية التناظر، بدل التقنية الرقمية، كما كان النموذج السوفياتي الاصلي.

     وعليه، يرجح استناد نظام توجيه الصاروخ الكوري الى نظام V-2، منذ الحرب العالمية الثانية، يعتمد على اجهزة توجيه الاتجاهات – جايروسكوب الكهربائي لكنه بعيد عن التقنية الالكترونية. حينها يتضح عسر مهمة الاختراق او القرصنة الاميركية لنظام يخلو من التقنية الرقمية القابلة للقرصنة.

نظام الابحاث والتطوير الكوري

     قاعدة البحث العلمي تستند الى “التجربة والخطأ،” وادخال التعديلات المطلوبة لتحقيق النتائج المرجوة. برامج الصواريخ الاميركية والروسية ايضا تعرضت للفشل بعد الاطلاق، وكذلك الأمر مع الدول الاخرى.

     تحديد مكامن الضعف من نفائس التجارب العلمية واستنباط حلول لمعالجتها؛ وقد تستغرق هذه المرحلة بضعة أشهر وربما سنوات تحددها طبيعة ومدى الخلل ومكوناته.

     من غير المعروف ان لدى كوريا الشمالية برنامج ابحاث وتطوير تقليدي على الصواريخ؛ وفي بعض الاحيان يتم اطلاق تجارب تتكرر اسبوعيا، وهي فترات غير كافية لطواقم الهندسة والتقنيين تحديد مكامن الضعف وايجاد حلول لها؛ فضلا عن التسابق الزمني وما يفرضه من ضغوط اضافية على عاتق المهنيين “للاسراع” في اجراء التجربة. في هذا الصدد، تجدر الاشارة الى ان تصميم وانتاج النموذج السوفياتي من صواريخ سكود يشهد له بأنه “لوحة فنية” من العمل الدقيق والانتاج النوعي، بينما الاولوية في النماذج الكورية هي للتجميع السريع.

     عند هذه النقطة المفصلية تتباعد الصواريخ الايرانية والكورية، اذ ان ايران تسخر امكانيات وطاقات كبيرة في جهود الابحاث والتطوير، أسوة بالتطبيقات الغربية والروسية. تزهو ايران بأنها اول دولة طورت بنجاح صاروخ بلغ مداه 2،000 كلم دون بلوغ تطوير سلاح نووي اولاً.

     التجارب الصاروخية الايرانية عمادها صواريخ “شهاب،” المشتقة والمطورة من تصاميم سوفياتية للدفع والاحتراق. اما التجارب الكورية فيغلب عليها البعد السياسي، فالتجربة الناجحة تطلق رسائل سياسية تتلقفها الاطراف المعادية المعنية.

     بالنظر الى تلك الخاصية، يستطيع المرء تفسير توقيت الاطلاق الأخير، 5 نيسان الجاري، ليتزامن مع لقاء القمة بين الرئيسين الاميركي والصيني، واتخاذ قرار سياسي كوري لاطلاق صاروخ ادنى مرتبة وفعالية من صواريخ سكود المتوفرة في ترسانتها.

     البعض يتساءل ايضا ان كان للصين دور ما في افشال التجربة الكورية، خاصة وان مكونات الصواريخ يجري استيرادها من وعبر الصين، ومن غير المستبعد ان تتعرض بعض المكونات الالكترونية الى “تخريب مقصود” قبل تسليمها للسلطات الكورية. ان صحت هذه الفرضية فأن القيادة الصينية ضالعة في التخريب او تتغاضى عنها في اقرب تعديل.

     اما جهود القرصنة والتخريب الاميركية ضد ايران فقد تم التغلب عليها بروية وهدوء عاليين في المراحل الاولى الحرجة، وباشرت انتاجها دون تعرضها للتأجيل. النمط الايراني في التحقق من اخطاء ومكامن الفشل يطبق منهجية عالية بهدوء ورويّة، والتغلب على الاخطاء السابقة قبل تحديد موعد انطلاق جديد، خاصة بعدما تعرضت له من قرصنة من قبل الولايات المتحدة و”اسرائيل” اصابت جهود تخصيب اليورانيوم. السلطات الايرانية لديها شكوك عالية بصلاحية القطع والمعدات واجهزة الكمبيوتر الغربية، عززتها تجربة البرنامج النووي.

     بيد ان عزم ايران على الاستمرار في تطوير نظم التوجيه الصاروخية ومكوناتها ينطوي على مجازفة، خاصة عند الأخذ بعين الاعتبار ان جزءا من مكونات المعدات الصاروخية لايران مصدرها كوريا الشمالية، وسيصيبها ما يصيب الاخيرة من ثغرات ومكامن ضعف ان لم تستطع انتاج ما تحتاجه محليا بالاعتماد على خبرائها ومهندسيها.

     التعاون الكوري – الايراني هو مصدر قلق ثابت للولايات المتحدة التي تعتقد ان كوريا الشمالية ماضية قدما في تطوير مديات صواريخها لتصل الى المدن الاميركية، فضلا عن ان التعاون الثنائي بينهما يضع على رأس سلم اولوياته انتاج صواريخ محمولة متحركة تعتمد وقود مرتفع الطاقة، والتي من شأنها ليس الوصول للمدن الاميركية فحسب، بل تصعب مهمة تتبعها وتدميرها.

     الجواب الاميركي المفضل هو اشعال جبهة القرصنة الالكترونية.

عن مركز الدراسات الأميركية والعربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى