مقالات مختارة

في الأساس الدستوريّ لتقاسم صلاحيات تأليف الحكومة: النائب د. فريد البستاني*

لأنني لستُ من الذين يدّعون فقهياً في علوم القانون الدستوري فإنني لا أملك الحق في خوض غمار تفسير النصوص الدستورية ومحاججة المتعمّقين في فقه الدساتير، لكنني كممثّل عن الأمّة ومعنيّ بالشأن العام، عليَّ أن أعتمد المقارنة والقياس، وأحكم بالمنطق على ما يُعرض أمامي فأسمح لنفسي بادّعاء القدرة على تمييز الصحّ من الخطأ، ولو كان المصدر المقابل مرجعاً في علوم الدستور.

 

ولا أظنّ أنّ المطلوب من السياسي أن يكون اختصاصياً، حتى الوزير، الذي يكثر الحديث المتداول هذه الأيام، عن الحاجة لربط توليه حقيبة بالاختصاص بشؤونها، ليس ضرورياً أن يكون اختصاصياً، فتلك مهمة المدراء في الوزارات ودور المستشارين فيها، وكما لا يجوز اشتراط التخصص الدستوري في مَن يتولون الرئاسات، بل يكفي إحساسهم بالمسؤولية ونباهتهم وخبرتهم كما تكفي قدرتهم على تمييز الصحّ من الخطأ في ما يُعرض أمامهم لحسن الاختيار. وهذه القدرة يمتلكها من يستطيع التحرّر من الغرائز والعصبيات ومن يترفّع عن المصالح، وهي موهبة ربانية بالفطرة لكلّ الناس، كلّ يوجّهها الى حيث يريد استخدامها في مجال اهتمامه.

يدور في البلد نقاش مفتوح حول صلاحيات كلّ من رئيس الجمهورية والرئيس المكلف بتشكيل الحكومة، ودرجة تقاسمهما لهذه الصلاحيات، ويرد في هذا السياق كلام لم نسمعه من قبل يريد إقصاء رئيس الجمهورية عن حق الشراكة بالاستدلال الدستوري عبر مجموعة من النصوص والمعادلات وإجراء القياس عليها للاستنتاج، بأنّ الحكومة هي حكومة رئيسها، وأنّ دور رئيس الجمهورية قبل توقيعها يكاد يكون مجرد الاطلاع عليها ومباركتها بتوقيعه، لأنّ الكلمة الفصل في شأنها هي لمجلس النواب الذي يعود له منح الثقة وحجبها، وقبل أن نخوض في نقاش هذا الرأي نسأل أصحابه، بعيداً عن عبارات مثل الرئيس الحكم ورأس الدولة والمؤتمن على الدستور، أن يفيدونا عن الفارق برأيهم بين دور رئيس الجمهورية وفق نظريّتهم ودور المدير العام لرئاسة الجمهورية الذي يُعدّ نص مرسوم تشكيل الحكومة ويتلوه؟

الفرق كبير بين أن تكون الحكومة حكومة رئيسها، وبين أن ينطق بلسان الحكومة رئيسها، كالفرق بين دور رئيس أيّ حزب في النطق بلسانه أو في تملّكه، لكن يبدو أنّ زمن التملك يخلق منطقه اللاإرادي ويصير المنطق قابلاً للتعميم.

في جوهر النقاش يورد أصحاب منطق إقصاء رئيس الجمهورية عن الشراكة الكاملة في تأليف الحكومة حجّتين رئيسيّتين تتكرّران بوجوه متعدّدة، ليصبح جمعها أكبر كعدد ليس إلا، لكنها جميعاً في الجوهر اثنتان، تتمّ عملية النظر نحوها من زوايا عديدة وتحت أضواء مختلفة للإيحاء بكثرتها، بحيث يقول المحاجج لديّ عشرة أسباب وليس لديه إلا سببان.

الحجة الأولى هي الفوارق بين الوضعيّتين الدستوريتين، ايّ تمتع رئيس الجمهورية بمدة ولاية ثابتة غير قابلة للإنقاص وتمتعه بحصانة من أيّ محاسبة بخلاف رئيس الحكومة الذي لا مدّة لولايته ويبقى تحت المساءلة ويمكن إسقاطه في مجلس النواب في أيّ وقت.

والحجة الثانية مرتبطة بها من موقع التلازم بين حدود المسؤولية وحدود الصلاحية، تحت شعار الغرم بالغرم والغنم بالغنم، فكون رئيس الجمهورية لا يتحمّل تبعات عمل الحكومة فيجب أن يفقد صلاحية المشاركة في تشكيلها.

وفي قلب هاتين الحجّتين استعانة بمكانة الاستشارات النيابية في تسمية رئيس الحكومة والثقة النيابية في تثبيت الحكومة لتصير مشاركة رئيس الجمهورية تعدّياً على دور مجلس النواب، ويصير المثال على حدود الدور مجرد قيام رئيس الجمهورية باستبعاد أسماء أصحاب السوابق من التشكيلة الحكومية، وهذا فعلاً يثير الضحك والسخرية، لأنّ افتراض ارتكاب رئيس الحكومة لخطيئة تضمين حكومته أصحاب سوابق يفقده أهليّة رئاسة حكومة.

وبعيداً عن السخرية تحضر مجموعة من النقاط في نقاش الحجج الواردة لا بدّ من التوقف عندها:

ـ أليس المدى المفتوح لعدد المرات التي يمكن لرئيس الحكومة تولي المسؤولية فيها، بحيث يمكن أن تُعاد تسميته لرئاسة الحكومة على مدى نصف قرن مثلاً، تعويضاً يفيض عن مدة ولاية محدّدة لرئيس الجمهورية غير قابلة للإنقاص؟

ـ أليس القلق من تضييع عهد رئيس الجمهورية بحكومات فاشلة أو بعدم التأليف خطراً قائماً يعادل القلق من عرقلة رئيس الجمهورية المفترض لدور رئيس الحكومة في التأليف من موقع الشراكة؟

ـ المساءلة التي يتعرّض لها رئيس الحكومة هي مساءلة سياسية، بينما يتعرّض رئيس الجمهورية لمساءلة دستوريّة من موقع قسمه على حماية الدستور، فإذا كانت المادة 95 قد نصّت على معيار دستوري هو «تمثيل الطوائف بصورة عادلة في الحكومة»، ورئيس الحكومة هو من يوقّع إلى جانب رئيس الجمهورية مرسوم تشكيلها، وفقاً للفقرة الرابعة من المادة 53 من الدستور. فمن يتحمّل التبعات الدستورية لمخالفة النصّ، أليس رئيس الجمهورية هو المسؤول في المقام الأوّل، وما هو معيار التمثيل العادل، هل هو توازن العدد فقط بين المنتمين للطوائف، وانْ كنا كذلك فلم لا يتحمّله مدير عام الرئاسة أو أمين عام مجلس الوزراء فيتوليان التدقيق في التناسب العدديّ، أم أنّ التمثيل العادل سياسيّ، وهو التمثيل الذي لا يرتب شعور الطوائف بالغبن، وهو معيار لو تمّت مراعاته في تشكيل الحكومات منذ اتفاق الطائف لما تعرّضت العلاقات بين الطوائف للاهتزازات التي عرفناها والتي بدأت منذ عام 1992 بمقاطعة الانتخابات النيابية من الطوائف المسيحية، وهل تكفي الثقة النيابية مقياساً لعدالة التمثيل من زاوية شعور الكتل النيابية التي تمثل فئات واسعة من الشعب بالعدالة في التمثيل، بينما الثقة يمكن أن تنال بأكثرية نيابية بسيطة، أم أنّ رئيس الجمهورية هو المعني بالتدقيق في معيار هذه العدالة ويقيس نبضها ويتحقق من وجودها؟

ـ الديمقراطية في النظام الديمقراطي ليست الحكم البسيط للأغلبية كما يعرف كلّ المعنيين، وفي الديمقراطيات التوافقية ليست حكماً بسيطاً للأغلبية قطعاً، وهي أغلبية يمكن أن تتوافر على حساب العيش المشترك وميثاقه، اللذان يمنحان شرعية السلطة ويحجبانها بما هو أشدّ قوة من الثقة النيابية وفقاً لمقدمة الدستور، فالحديث عن الاستشارات في تسمية النواب لرئيس الحكومة أو عن الثقة النيابية في تكريس شرعية الحكومة، هو حديث عن الأغلبية البسيطة التي يشكل الاستناد إلى رأيها ركناً ضرورياً من أركان الديمقراطية، لكن مَن يضمن الركن الثاني وهو حماية الأقلية من طغيان الأغلبية، إنْ لم يفعل رئيس الجمهورية ذلك، والأقلية قد تكون طائفية أو سياسية؟

ـ في البعد المتصل بالتوازن الوطني القائم على الشراكة وفقاً للميثاق والصيغة، يمثل رئيس الجمهورية الشراكة المسيحية في السلطة التنفيذية، بينما يمثل رئيس الحكومة الشراكة المسلمة، وتشكيل الحكومة هو أهمّ إنشاء دستوري بعدما نقل اتفاق الطائف السلطة التنفيذية الى مجلس الوزراء مجتمعاً، وهذا الإنشاء الدستوري يقوم به مجلس النواب عبر عملين تحضيريين كبيرين، هما انتخاب رئيس الجمهورية ضمن ضوابط وصلاحيات ونصاب، وتسمية رئيس للحكومة ضمن معايير وضوابط وصلاحيات موازية، ليتشاركا عملية تأليف الحكومة، وإفساد هذه الشراكة بأيّ شبهة طغيان لأحد طرفيها يعني اختلالاً في الشراكة نفسها وتعريضاً لها للاهتزاز، ومعها تعريض صدقية الميثاق والصيغة للشك والشبهات.

أختم بالاقتباس من قول أورده الأستاذ الدستوري الدكتور حسن الرفاعي نقلاً عن العلامة Duguit قوله «ليس للقانون الدستوري أيّ ضابط سوى حسن نية وأمانة الرجال الذين يطبّقونه»، ونحن لا نحتاج اليوم إلا إلى النيات الحسنة.

*عضو في مجلس النواب اللبناني.

(البناء)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى