مقالات مختارة

لا تخطئوا في قراءة روسيا- منير شفيق

 

يعجبني بعض الذين استلوا سيوفهم (أقلامهم) للهجوم على روسيا بعد الدور الذي لعبته بتسليم بقايا الجندي الصهيوني زخاري باومل، وبحفل مهيب في موسكو.

في فهم الدور الروسي

فمن البداية ليس المقصود كل الذين تدخلوا بالنقد لروسيا انطلاقاً من هذا الموقف الأخير، وغيره من المواقف الأهم منه بكثير في الكشف عن متانة العلاقة بين بوتين ونتنياهو (روسيا والكيان الصهيوني). وإنما المقصود ذلك البعض الذي سبق له أن أشاد بالمحور المقاوم الذي تشارك روسيا فيه. ولم تكن مجرد إشادة أو توصيفاً لعلاقة “تحالفية”، وإنما وصل الأمر إلى التعامل مع روسيا كأنها قوة ثورية معادية مبدئياً ضد الإمبريالية والصهيونية. وبعض البعض استعار مقولات استخدمت في وصف الاتحاد السوفياتي أيام زمان، وكأن التاريخ راح يعيد نفسه، وبصورة أروع وأجمل. فبدلاً من “أبو يعقوب ستالين” إلى “أبو علي بوتين“.

هذا البعض انتقل الآن إلى نقل البندقية من الكتف إلى الكتف في التعامل مع روسيا ونقد الموقف الروسي. والمشكل هنا لم يقتصر على أن الحدث نبهه بعد غفلة على تصحيح قراءته لروسيا، وإنما في إحداث انتقالة نوعية من دون أن تطرف له عين. أي من دون اعتذار، ومن دون أن يقدم نقداً ذاتياً يحسم موقفه الراهن من موقفه السابق. فلا يكون، موقفه الحالي، الوجه الآخر للعملة نفسها، أو لمنهج التفكير نفسه مكرراً الآن بكلمات أخرى ليس إلاّ، وإن بدت متناقضة.

أما البعض الآخر الذي لا ينتسب للبعض آنف الذكر، فقد التقى معه في تأييد الموقف الروسي القوي إلى جانب سوريا في حربها ضد الإرهاب الذي تمثل في كل من داعش والنصرة، وضد كل من كان من المدرسة نفسها، ولكن الفارق يكمن في القراءة الصحيحة لروسيا بقيادة بوتين باعتبارها دولة كبرى “رأسمالية”، أو “يمينية”. ولا علاقة لها بالثورية أو بالعداء للإمبريالية. وهي في حالة تناقض مع أمريكا كما مع أوروبا، ليس انطلاقاً من ثورية أو مبدئية ضد الإمبريالية، وإنما سعياً لاحتلال مركز متقدم في ما بين الدول الكبرى، وهو مركز (موقع ودور) يجب على أمريكا خصوصاً، والغرب عموماً، أن يعترفا لها به، ويشاركاها أو يشركاها به في اقتسام النفوذ في العالم.

التناقض بين روسيا وأمريكا محتدم جداً، وما سوريا أو القرم إلاّ ساحة من ساحاته

ولهذا تأزمت العلاقات بين روسيا وكل من أمريكا وأوروبا في قضية أوكرانيا ثم القرم، واشتد التأزم في الدور الذي لعبته وتلعبه روسيا في سوريا. ثم أضف ما هو أهم، أي ما جرى ويجري من سباق تسلح أخذت روسيا تتفوق في بعض مجالاته، وهو أمر حاسم في تحديد تطور مستوى التناقضات في ما بين الدول الكبرى. ثم أضف ما أخذ يربط روسيا بالصين من علاقات تكاد تصل إلى حد “التحالف”. ما يزيد من تأزم العلاقات الغربية بروسيا.

عن التناقض بين الدول الرأسمالية واليمينية

هنا يجب أن يُلحظ أن التناقضات في ما بين دول “رأسمالية” و”يمينية” كبرى، أشد من التناقض بين قوى أو دولة ثورية معادية للإمبريالية من جهة وبين أمريكا أو أوروبا من جهة ثانية. وهذه نظرية اعتمدها ستالين في أوائل الخمسينيات استناداً إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية. وتأكدت نسبياً مع تدخل العامل النووي، أثناء الحرب الباردة. والسبب أن العدوانية في التوسع والسيطرة في ما بين الدول الرأسمالية الإمبريالية الكبرى مشتركة من الطرفين، فيما اندفاعها في حالة قوى أو دولة ثورية معادية للإمبريالية ناجم من طرف واحد هو الإمبريالية وتوسعها. وهذا ما يجعل التناقض والتنافس في الحالة الأولى أشد من الحالة الثانية، وصولاً إلى الحرب.

من هنا فإن التناقض بين روسيا وأمريكا محتدم جداً، وما سوريا أو القرم إلاّ ساحة من ساحاته. ولكن لا يعني أن تُقرأ روسيا باعتبارها دولة ثورية ومعادية للإمبريالية من حيث المبدأ أو الموقف الأساسي. وهو ما تؤكده تصريحات روسية رسمية صريحة حول هذا الموضوع.

العلاقة بين روسيا والكيان الصهيوني

أما في موضوع العلاقة بين روسيا والكيان الصهيوني، وعلى التحديد بين بوتين ونتنياهو، (وتنطبق على من سبق) فهي من نمط آخر لا يجر معه ما بين روسيا وأمريكا من تناقض. وذلك بالرغم من التماهي الأمريكي ـ الصهيوني (على المستويين: “دولة الكيان الصهيوني” والحركة الصهيونية العالمية).

ثمة دلائل كثيرة على عمق تلك العلاقات ومتانتها وتعدد مجالاتها وما ينبغي لحدث بقايا جثة الجندي زخاري باومل أن تأتي مفاجأة إلى هذا الحد. فقد أسقط الطيران الصهيوني عملياً طائرة روسية، أو في الأدق، تسبب، عن عمدٍ، بأسقاطها، مع الثقة بأن العلاقات أقوى من أن تتأثر في مثل هذا التمادي. وذلك بالرغم مما أظهرته قيادة الجيش الروسي من غضب شديد على هذه الجريمة، وبالرغم من إرسال إس ـ 300 إلى سوريا (في الحقيقة كان يجري تدريب الجيش السوري عليها منذ عدة أشهر قبل ذلك. بدليل دخولها في الخدمة فوراً).

ولكن هذه العلاقة الروسية ـ الصهيونية، يجب ألاّ تمنع من إقامة علاقات صداقة مع روسيا، أو التقاطع والتشارك في مواجهات ومواقع محددة.

الشيء الملفت، والذي بحاجة إلى تفسير، هو كيف تسمح أمريكا بهذه العلاقة، وإلى هذا الحد، والأمر هنا يعنيها، وقد تسبب لها أضراراً كثيرة وفي مجالات عدة؟ بل وكيف يمكن أن يوفق نتنياهو بهذه العلاقات الإيجابية المزدوجة بين متنافسين ومتصارعين إلى مستوى، قد يصل إلى حد الحرب الحامية، وليس الحرب الباردة فقط.

الجواب بالطبع ليس عند بوتين لأن ما يأتيه من تلك العلاقة هو زيادة “وخير”. لأن الكيان الصهيوني هو ربيب الغرب أصلاً ثم شريكه لاحقاً. فالجواب عند أمريكا في كل العهود تقريباً منذ سبعين عاماً، خصوصاً في العقدين الأخيرين، بل ولا سيما في العقد الأخير في عهدَيْ بوتين ـ نتنياهو.

هنا أيضاً تتكشف قوة النفوذ اليهودي الصهيوني على الرؤساء الأمريكيين، وعلى الإدارات الأمريكية، إذ يسمح لقادة الكيان الصهيوني ما لا يمكن أن يسمح به لأي من أتباع أمريكا أو حلفائها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى