مقالات مختارة

حزب الله ليس معنياً بأي ضمانات.. السعودية تراجعت… وعون لم يتغيّر ابراهيم ناصرالدين

 

حديث وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق، الذي توج رسميا تسريبات اعلامية سعودية جرى تعميمها على وسائل اعلامية محسوبة على المملكة، بأن لبنان امام «مرحلة اختبار» بالنسبة للسعودية، يطرح سؤالاً اشكاليا حول ماهية هذا الاختبار والاطراف المعنية به؟ وتحميل الرئيس ميشال عون المسؤولية «الشخصية»عما ستؤول إليه علاقات لبنان بمحيطه العربي، تجن ومحاولة لحرف «البوصلة» عن الاسباب الحقيقية لتصدع العلاقات الثنانية… فهل الرئاسة الاولى ستكون مثلا مسؤولة عن ضياع الهبة المالية للجيش اللبناني اذا لم تتوقف الحملات الإعلامية ضد السعودية ؟ او ستكون مسؤولة عن ذلك ما لم يبدل حزب الله في خطابه السياسي المنتقد للرياض؟ او في استراتيجيته وتحالفاته في المنطقة؟

اوساط سياسية بارزة في 8 آذار، ترى انه في حال تبرع احد وقدم مثل تلك الضمانات، وهو امر لم يحصل، فهي تعهدات صادرة عن طرف لا يملك صلاحية هذا الامر الى جهة لا تستحق تلك الضمانة، فاي تسوية في هذا السياق تحتاج الى تراجع الطرفين «خطوة» الى الوراء وليس فرض املاءات من طرف على آخر، فهل ستلتزم السعودية مثلا بوقف حملاتها الاعلامية والسياسية على حزب لبناني يشارك في الحكومة وممثل لشريحة كبيرة من المواطنين اللبنانيين مقابل ما تتطلبه من خطوات لبنانية مماثلة؟ ثمة امور استراتيجية كان رئيس الجمهورية واقعيا في مقاربتها وهي لن تحل طالما ان الطرفين المعنيين ليسا على الطاولة، فمن جهة حزب الله غائب والطرف السعودي لا يزال عند موقفه السلبي منه، وعشية زيارة الرئيس عون اقفل ولي ولي العهد الباب امام اي حوار مع ايران، ولذلك ما لم تتراجع السعودية عن سياسية قتل الشعب اليمني والتآمر على الشعبين العراقي والسوري، وتراجع موقفها من دعم المجموعات الارهابية، والحرب المفتوحة على محور المقاومة، فليس هناك اي رجاء من تعديل مقابل في الموقف منها لدى فئة وازنة من الشعب اللبناني ترى ان السعودية تناصبها العداء، وتواصل سياستها التخريبية في المنطقة..

اما اذا كان الفريق السعودي في لبنان يبحث عن ثمن سياسي مقابل عودة الحياة الى «الهبة»، فان احدا غير قادر على دفع هذا الثمن تضيف الاوساط، في ظل التوازنات الداخلية التي انتجت التسوية، ولا مصلحة لاي فريق للانقلاب عليها، والرياض تعرف ذلك جيدا، ولذلك فان من يحدد تلك الاثمان، لم يكن حاضرا في «المولد» ولذلك يرجح ان يكون بلا «حمّص»، لان تجاوز مرحلة التشنج الى ما بعدها من خطوات اختباراتية مفترضة يحتاج الى حضور الحاكمين الفعليين في البلاد، ولي العهد وزير الداخلية الأمير محمّد بن نايف، وولي ولي العهد وزير الدفاع محمد بن سلمان، اللذين فضلا استكمال إجازتيهما السنوية بعيداً عن «فولكلور» زيارة قررت الرياض سلفا الا تتعدى مرحلة «كسر الجليد» في العلاقة. ولذلك فان اصرار البعض على هذا الربط «الاختباري» يعني حكما ان «مسألة الهبة باتت من الماضي»، والسعودية التي تنتهج سياسة تقشفية ليست في صدد تبديد مليارات الدولارات مجانا، ومن هنا يقوم البعض بتحميل الرئاسة الاولى المسؤولية عن وعود لم تقدمها اصلا، لجهة «المونة» على تغيير مرتقب في موقف فريق سياسي وازن يتعرض «لحرب» شعواء من قبل المملكة التي يجب ان تكون هي في موضع اختبار لسياساتها الانتحارية في المنطقة وليس العكس…

وبحسب تلك الاوساط، فان محاولة البعض تظهير نجاحات وهمية للسعودية تكذبه الوقائع، فمشكلة الرياض كانت ولا تزال في دور «حزب الله» الإقليمي، وقد كان الرئيس واضحا لجهة تحييد هذا الملف عن تطور العلاقة الثنائية، ولذلك فان القول ان الزيارة خطت بلبنان خطوات مهمة نحو موقعه العربي الطبيعي بعيدًا عن الموقع الذي أراده ويريده له «حزب الله»، هو امر مثير «للسخرية»، المملكة هي من تراجعت عن كلامها الصادر في 20 شباط 2016 عندما اعتبرت ان «إرادة» الدولة اللبنانية مصادرة من جانب «حزب الله»، وها هي اليوم تقبل الامر الواقع، على الرغم من ان شيئا لم يتغير. اما الكلام عن اختبارات، والتعبير عن «الغبطة» لان الرئيس اللبناني تبرأ من دور حزب الله الخارجي حين فصل في أحاديثه الصحافية، وفي الغرف المغلقة، بين ما يقوم به الحزب خارج لبنان وفي داخله، فهو امر «مثير «للضحك»، فالرئيس لم يتعهّد ولم يلتزم بحوار داخلي يُنهي دور المقاومة، نجح بوضع العلاقات اللبنانية – الخليجية على «السكة» وفصلها عن تدخل حزب الله في سورية، ما يعني أنّ قتال الحزب هناك بات خارج أيّ تفاوض أو ضغوط عربية دولية على العهد، في المقابل حقق حزب الله ما يريد في الداخل من خلال انتخاب مرشحه الرئاسي الذي اضطرت الرياض الى التعامل معه، ونجح في الدفع نحو ولادة حكومة مختلة التوازن لمصلحة حلفائه، والتنسيق الامني المستمر بين المقاومة الاجهزة الامنية اللبنانية لمكافحة الارهاب، سيتعزز وبقي خارج سياق اي مناقشة في الزيارة الرئاسية، وكذلك تكرست حربه الاستباقية في البيان الوزاري، فعن اي اختبارات واثمان يتحدث عنها الوزير المشنوق، واين ستكون؟.. الا اذا باتت نجاحات المملكة منحصرة بما سيحصل في التعيينات، او قانون الانتخاب الجديد المفترض، ونتائج الانتخابات النيابية المقبلة، اذ يحاول تيار المستقبل استغلال الموقف لمصلحة في محاولة منه لاعادة التوازن الى العلاقة بين قيادات في المملكة والرئيس سعد الحريري…

وفي السياق نفسه، فان الرهان على انقلاب الرئيس عون على تحالفاته ما بعد الرئاسة، وهم تبدد وسقط، فايحاء البعض بأن الرئيس هو من تغير وبات يريد علاقات جيدة مع السعودية ودول الخليج، بأي ثمن، «ذر للرماد في العيون»، فالمشكلة الرئيسية كانت تكمن في عداء مسؤولي المملكة «للجنرال»، حليف حزب الله، السعودية تتحمل مسؤولية اطالة امد الفراغ الرئاسي بعد ان اجهض وزير الخارجية السابق سعود الفيصل محاولة الرئيس الحريري للاتفاق مع عون قبل نحو سنتين ونصف السنة.. المملكة تغيرت وليس عون من تغير.. وللمفارقة ان القيادة السعودية تبدو مرتاحة لفصل الرئيس العلاقة مع لبنان عن سياسة حزب الله على مستوى الإقليم، لا سيما قتاله في سورية، وكأن «الجنرال» قد قال كلاما جديدا في هذا السياق، انها المعادلة نفسها التي لطالما رددها على مسامع الجميع في الداخل والخارج، ولكن الرياض ظلت تعاند وترفض هذه المعادلة، وبعد انقلاب موازين القوى في سوريا، واكتشافها عقم استراتيجية «الانسحاب» من لبنان، لم تعد تستطيع انتظار عودة المقاومة من سوريا، واختارت العودة لتقليل الخسائر المتراكمة على الساحة اللبنانية، بعد ان ملأت ايران الفراغ الذي خلفته وراءها..

وفي الخلاصة، نجح اختبار حزب الله مع العهد في اول استحقاق خارجي، استخدام السعودية «ورقة» عودة السياح والاستثمارات الى السوق اللبنانية،الى جانب استمرار الابتزاز بملف الهبة المالية، لن يشكل مادة للضغط على الحزب الذي يمضي في استراتيجيته الواضحة لمواجهة آخر فصول المؤامرة التي تديرها السعودية مع بعض دول الخليج والرعاة الاقليميين والدوليين للمجموعات التكفيرية في المنطقة، حزب الله كان «مرتاحا» وسيبقى بعد الزيارة الرئاسية كما قبلها، يعرف حدود وقدرة خصومه وحلفائه، لن يتغير ما لم تتغير سياسة المملكة، ومن يظن ان السيد نصرالله سيسكت يوما عن «جرائم» السعودية في اليمن، او «يغض الطرف» عن مسؤوليتها في تدمير سوريا، فهو واهم حتى «ينقطع النفس»….المملكة في موقع اختبار وليس اي طرف لبناني آخر.

(الديار)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى