مقالات مختارة

ناهض حتّر كما عرفته عباس ضاهر

 

لم أكن أعرف أن اللقاء مع الأخ ناهض حتّر في موسكو أواخر شهر تموز الماضي سيكون لقاء الوداع بين صديقين لم يباعد فرق سنين العمر بينهما. كنت أشعر دائماً أن ناهض الخمسيني يصغرني شباباً في اندفاعه للعطاء وثورته ضد التخلّف والجهل والتكفير والارهاب. تباينت معه في موسكو حول تظهير هذا الاندفاع. تناقشنا في الساحة الحمراء سريعاً كالعادة، لم يشأ أن يفوّت لقاءنا المفاجئ في العاصمة الروسية من دون إشارته إلى خطوات الروس في تسلّم زمام المبادرة في المشرق العربي. كان منحازاً كعادته الى موسكو، ليس السبب ارثوذكسية معتقده ولا يساريته، بل نتيجة قناعة سياسية سبق أن ظهّرها في كتاباته منذ إعلانه كأول كاتب سياسي عن تمركز الجنود الروس في قاعدة حميميم السورية.

حدّثني في موسكو عن عظمة مدينة “بيترسبورغ” التي مكث فيها أياماً قبل قدومه الى العاصمة الروسية. عبّر عن دهشته واعجابه بالتراث الروسي.

التقينا مرات عدة في موسكو خلال زيارتي الاخيرة، وأصرّ عليّ ان اقبل دعوته لمشاهدة مسرح “البولشوي”. أقنعني و أهداني بطاقتين كان حجزهما في عمّان عبر الانترنت، لحضور العرض المسرحي مع زوجته، بعد أن إستجد “موعد سياسي مهم” في موسكو بنفس وقت العرض. كان ناهض يهتمّ كثيراً بالمسرح والأعمال الثقافية العالمية وينحاز الى الانتاج والابداع المشرقي، لكن السياسة اولوية في اهتماماته، خصوصاً اذا تعلق الامر بسوريا.

بالنسبة اليه اذا انكسرت الشام ماتت التعددية في المنطقة وتمدد التطرّف الاسلامي من دون رادع، واندثرت المسيحيّة المشرقية وثبتّت اسرائيل احتلالها. كان ناهض يجاهر في رأيه. لا يخفي انحيازه المطلق للمقاومة اللبنانية. هي “مصدر قوة اليساريين والمفكرين والمبدعين والاعتدال الاسلامي”… في موسكو قال لي: علمت أن الروس فتحوا قنوات اتصال مباشرة مع “حزب الله”، لا حاجة لوسيط بينهما بعد اليوم. ماذا يعني ذلك بالنسبة اليه؟ يعني لا تضارب مصالح في سوريا، ولا تسويات على حساب المقاومة مستقبلاً.

اتفقنا بعد الوداع في روسيا على اللقاء في بيروت قريباً. مرّت أيام أُدخل بعدها الى السجن في عمَّان. إنتظرته بضعة أسابيع. كنت أعلم انه بريء من التهمة الموجّهة اليه. بعد خروجه اجريت اتصالاً به، قلت له: لا مشكلة، فقد اعتدت انت على دخول السجن-بإعتبار انه أُدخل في العقود الماضية ثلاث مرات، قال لي: هذه المرة كانت الأصعب، لقد تغيّرت الأردن. لم يشأ شرح المزيد على الهاتف. انا تفهمت ذلك، وتواعدنا للقاء في بيروت بالسادس والعشرين من أيلول بعد الانتهاء من محاكمته وتبرئته. كان المتطرفون واثقين من تلك البراءة فسارعوا الى قتله قبل الدخول الى قصر العدل.

كان ناهض ينوي بعد مغادرته عمَّان أن يستقرّ في الشام. سبق أن بحث عن منزل فيها بمساعدة أصدقاء. شجّعته حينها على السكن في بيروت. كان يفضّل دمشق القديمة. لم يغب عن شوارعها ومقاهيها في عز الحرب في الأعوام الماضية. كنّا نترافق سوياً مرات عدة حينما كنت اتوجه لتقديم برنامج “من دمشق”. لم أكن اعرف ان ناهض مسيحي أرثوذكسي إلاّ عندما أخبرته عن نيتي بالزواج عام 2013، يومها قال لي: أتريد مصاهرتنا؟ أهلاً بصهر الأرثوذكس.

أساساً كانت دراسة ناهض عن الفكر السلفي في رسالة الماجستير. وتوسّع في الغوص أيضاً بفكر الإمام علي والعلماء والباحثين الإسلاميين. أعجب كثيراً وتبنى ما قاله الامام موسى الصدر عن الأديان: كانت واحدة أتت من اجل خدمة هدف واحد هو الانسان…

حاول ناهض ان يقرّب بين جوهر الأديان ونظرته الفلسفية. نجح وأخفق. قد تتفق معه او تختلف. لكنه كان حريصاً على إعطاء أدلّة وبراهين علميّة وتنويريّة واحترام آراء الآخرين. بالنسبة اليه هذه هي روحية الشرق. رفع سقف رأيه أحياناً من دون مَسّ بحريّة أحد، ولا خوف ولا تردد ولا مجاملة او مواربة. كنت انصحه دائماً بأن يخفف من صراحته وعفويته وعلانيته بالمواضيع الفكريّة لأنّ المرحلة خطيرة لا تحتمل حالياً. كان يردّ بأجوبة الشجاع المقدام مقرونة بعبارة يا رجل في المخاطبة.

لم يكن يقبل ناهض أن يحيط بِه مرافقون لا في سوريا ولا في لبنان أسوة بكتّاب او محللين سياسيين أقل منه شأناً وفكراً. كان يفضّل المشي في الشوارع وركوب سيارات الأجرة وارتياد المقاهي الشعبية وشراء الكعك. كانت تلك أكلتنا المفضّلة على الطريق من بيروت الى دمشق.

كنت اعرف ان ناهض مفكر من الطراز الاول. حرصت على أن أقرّبه من مفكرين عريقين اعرفهم كالمفكر العربي الدكتور كمال خلف الطويل. كان التباين كبيرا بينهما في مقاربة القضايا. لكن لم المس الا الاحترام المتبادل في نقاشاتهما السياسية. كان ناهض صاحب ظل خفيف رغم جرأته في طرح العناوين. يتقبل التباين بسهولة. لم أسمع منه انتقاد أحد بقسوة.

رغم مآخذه السياسية على اداء السلطة في الاردن، كان مدافعاً شرساً عن وطنيته. يشرح لك بإسهاب تاريخ المملكة وإسهامات شعبها مسيحيين ومسلمين، عشائر وعائلات في تثبيت الاعتدال. كان يعتبر تعايش أديانها مثالاً يُحتذى به، ويصبّ غضبه على التكفيريين الذين خطّطوا لخطف المنطقة من تاريخها.

أسّس ناهض حتر لقاء مشرقياً. حين كنت أسأله: ما الغاية؟ هل هو حزب جديد؟ يقول: انه من أجل لمّ شمل الانسانية في هذا المشرق. يعطي مثلاً: انظر الى التكفيريين. ها هم يجتمعون لقتلنا. الا يجب ان نتوحد لمقاومتهم؟

أراد ناهض المشرق عنواناً جامعاً. سألته: لماذا لا تكون العروبة؟ قال: انظر الى محنة دولنا المشرقية وجغرافيتها وهمومها المشتركة ونضالاتها وفكرها. هل انت سوري قومي اجتماعي؟ يرد: لا. كنت شيوعياً. بعد التجربة اقتنعت بما قاله انطون سعادة ومارسه حافظ الاسد واعجبني ما قاله الامام الصدر عن الأديان وآمنت بمقاومة اللبنانيين وأشجّع دور الروس.

هذا هو ناهض حتر الذي كانت آخر كتاباته عن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله.

تلك القناعة هي التي سيّرته في مقاربة الأزمة السوريّة، فإنبرى يدافع عن دمشق حتى الرمق الأخير. اخبرني في أحد مشاويرنا الى الشام ان هناك سخطاً عليه من قبل الإسلاميين في الاردن بسبب مواقفه. ابلغته بوجوب الانتباه لأمنه الشخصي. كان واثقاً بأن الدولة الاردنية تستطيع حمايته. خاب ظنه.

كان ناهض اول من كتب عن دخول الروس الى سوريا. يومها سأله أحد المسؤولين السوريين: من أين لك هذه المعلومات؟ قال له: مصادري الخاصة. عندما تحدث عن حميميم لم يكن أحد يعلم بإسم تلك المنطقة. بعدها كتب عن لقاء سوري-سعودي. تفاجأ المتابعون. بعضهم اعتقد ان حتر يبالغ. يومها أيضاً قال له مسؤول سوري دبلوماسي: معلوماتك غير صحيحة. ردّ عليه: انا متأكد. استدعاه صاحب العلاقة وسأله: من اعطاك المعلومات؟ قال له: انا صحافي ولدي مصادري.

كان جريئاً بعكس ما روّج له خصومه انه “يأتمر بأوامر السوريين”.

عندما كتب عن إدارة العمليات في غرفة “الموك” ومعلوماته عن نيّة إلحاق السويداء بمربع حدودي، تفاجأ السوريون أنفسهم. لم يكونوا قد سمعوا بتلك الغرفة.

ناهض حتر. سأتذكر محطات كثيرة رصدتها معك على مدى سنوات خمس. سنتذكر انا وزميلنا فراس الشوفي محطات مشابهة. ستحن جلساتنا الى معلوماتك الموثوق بها. ستحن مقاهي الحمراء الى تلك الجلسات المسائية الطويلة، ستفتقد الطريق الممتدة من بيروت الى دمشق لأحاديث الفكر والسياسة والشعر والأدب والحب. ستشتاق إليك الشام وحاراتها القديمة. لم يقدّر لك ان تشهد على انتصار الانسان فيها على الجهل. لم يقدّر لك ان تقطن في بيوتها الدافئة. ولا ان تسمع موسيقى ولديك معتز ومعتصم يديران اوركسترا على مسرحها في دار الأوبرا. كنت تحدثني بشغف عن اختصاصهما في الموسيقى.

قُدِّر لك أن تموت شهيداً، لكن على الارض التي استبعدت ان تموت فيها. كنت تحتسب نفسك شهيدا على ارض المواجهة، لا ان تُؤْخَذَ غدراً. وقُدِّر لوالدتك العجوز ان تفارق فلذة كبدها وتعيش خريف العمر بحسرة ولوعة. اما أنت فسترقد الى الأبد بسلام.

(النشرة)                   

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى