مقالات مختارة

مواجهة بين عمّان وجماعة الإخوان المسلمين ديفيد شينكر

 

6 نيسان/أبريل 2016

حددت جماعة «الإخوان المسلمين» الأردنية المحظورة رسمياً السابع من نيسان/أبريل، موعداً لإجراء انتخاباتها الداخلية لاختيار مراقبها العام وتشكيل «مجلس شورى» خاص بها مؤلف من ثلاثة وخمسين عضواً. وكانت الحكومة الأردنية قد أعلنت في شباط/فبراير عدم شرعية هذه الجماعة وبالتالي رخصت قيام تنظيم منافس لـ «الإخوان». وحذرت الحكومة الجماعة من إجراء الاقتراع. إلا أن «الإخوان» أصرّوا على القول بأنهم سيمضون قدماً بالانتخابات، الأمر الذي يمهد الطريق لمواجهة بين الإسلاميين المستضعفين والدولة .

الخلفية

تأسس الفصيل الاردني لـ جماعة «الإخوان المسلمين» وحزبها السياسي، «جبهة العمل الإسلامي»، عام 1945 ولطالما شكّل قوة سياسية في المملكة. ولكن، خلال العقد الأخير، اشتبكت عناصر أكثر اعتدالاً وموالية للنظام تابعة لـ «الإخوان المسلمين»، وهي بشكل أساسي “الحمائم” القبلية من الضفة الشرقية، مع “الصقور” الأكثر تشدداً ونفوذاً من الضفة الغربية وغالبيتها من التابعية الفلسطينية. وتمحور القسم الأكبر من الخلاف حول الأولوية النسبية للجهاد في إسرائيل والأراضي الفلسطينية، إلا أن الفصائل اختلفت أيضاً حول ما إذا كان يجدر بها المشاركة في النظام السياسي الأردني الذي يضرّ بمصالحها بصورة منهجية. ففي عامي 2007 و 2013، قاطع «الإخوان المسلمون» الانتخابات النيابية احتجاجاً على القانون الانتخابي الذي خضع لعملية تنقيح منذ ذلك الحين.

وخلال السنوات الأربع الماضية، استغل القصر الملكي الأردني و”دائرة المخابرات العامة” هذه الخلافات الداخلية لإيقاع المزيد من الشرخ في صفوف الإسلاميين وإضعافهم. وفي عام 2012، قام مسؤول كبير سابق في «جبهة العمل الإسلامي» هو الدكتور رحيل غرايبة – بمباركة من القصر الملكي وربما بدعمه المالي – بإطلاق “مبادرة زمزم”، وهي عبارة عن منظمة كان هدفها المعلن إنهاء احتكار الخطاب الإسلامي من قبل «الإخوان المسلمين» في المملكة. ويُشتبه إلى حد كبير أن تكون “دائرة المخابرات العامة” قد دعمت «حزب الوسط الإسلامي» في الانتخابات النيابية عام 2013، فساعدته على الفوز بـ 16 مقعداً من أصل 150 في البرلمان المنتخب، ليصبح بذلك أكبر كتلة برلمانية. وفي عام 2014، حُكم على زكي بني أرشيد، نائب المراقب العام لجماعة «الإخوان المسلمين»، بالسجن لمدة ثلاثة عشر شهراً. وبعد انقضاء بضعة أسابيع على إطلاق سراحه، وجهت الحكومة الضربة القاضية لجماعة «الإخوان» من خلال حظرها بحجة افتقارها للترخيص الملائم وعبر اتهامها بأنها مدينة بالفضل لزعيم أجنبي بصورة غير مشروعة (أي المرشد العام لجماعة «الإخوان المسلمين» في مصر، محمد بديع).

ومن ثم في آذار/مارس، منحت الحكومة ترخيصاً لزعيم معمّر في جماعة «الإخوان المسلمين»، عبد المجيد ذنيبات، من فصيل “الحمائم”، مجيزةً له إنشاء تنظيم جديد لـ «الإخوان». كما نقلت عمّان الأصول الضخمة لجماعة «الإخوان المسلمين» المحظورة إلى التنظيم الجديد. وتشير التقارير إلى أن التنظيم الجديد أصبح يضم 300 عضو، بمن فيهم زعماء سابقون بارزون في جماعة “الإخوان”.

الحظر الانتخابي

يشير الإعلام الأردني إلى أن محافظ العاصمة عمّان خالد أبو زيد قد أصدر توجيهاً منع بموجبه جماعة «الإخوان» غير المرخصة من إجراء انتخابات داخلية، رداً على شكوى كان ذنيبات قد رفعها إلى وزارة التنمية السياسية والشؤون البرلمانية اعتراضاً على محاولة [بعض] الأفراد “انتحال” تنظيم مرخص. وبناءً على تلك العريضة، قررت وزارة الداخلية بأن التصويت سيكون في الواقع غير قانوني.

وعلى نحو غير مفاجئ، رد الناطق باسم الجماعة المحظورة، معاذ الخوالدة، من خلال اعتبار موقف الحكومة غير قانوني، قائلاً: “أُجريت الانتخابات لفترة دامت سبعين عاماً دون تدخل أي طرف. فما الذي تغير هذا العام؟” أما ناطق آخر باسم الجماعة، مراد العضايلة، فكان أقل ضبطاً للنفس، معتبراً الحظر “انقلاباً يرعاه النظام“.

وعلى الرغم من علاقاتها المتوترة مع الحكومة، حاولت جماعة «الإخوان» على ما يبدو التصالح مع عمّان حتى الآونة الأخيرة. فوفقاً لـ “قدس برس”، وهي وكالة أنباء إلكترونية مؤيدة لقضايا الإسلاميين، فإن عدة أعضاء من الجماعة المحظورة، بمن فيهم نائب أمين عام «جبهة العمل الإسلامي» علي أبو السكر، قد شاركوا في سلسلة محادثات خلال الأشهر القليلة الماضية مع رئيس مجلس الأعيان المقرب جداً من دوائر القصر الملكي فيصل الفايز في محاولة لرأب الفجوات. ولفتت مصادر «الإخوان» إلى أنه خلال تلك الاجتماعات، كشف الفايز عن عدة شروط أساسية رسمية لإعادة تأهيل الجماعة، بما فيها: (1) إعلان الولاء للملك عبدالله والمملكة الأردنية الهاشمية، (2) التعهد بالمشاركة في الحياة السياسية من خلال الانتخابات النيابية والبلدية، (3) قطع العلاقات مع جماعة «الإخوان المسلمين» الدولية، لا سيما في مصر و(4) التصالح مع ذنيبات. وأفادت “قدس برس” بأن الجماعة قد قبلت بالمطالب الثلاثة الأولى على الأقل، غير أن الوضع القانوني لـ «الإخوان المسلمين» لا يزال على ما هو عليه.

الإخوان الجدد

في الوقت الذي يتولى فيه ذنيبات قيادة جماعة «الإخوان» الجديدة، يبدو أن ستار «جبهة العمل الإسلامي» أصبح يميل نحو “مبادرة زمزم” التي أطلقها غرايبة. فخلال خطاب عاصف ألقاه المنسق العام للمبادرة الأردنية للبناء في 26 آذار/مارس، أعلن غرايبة أنه “لا بد من تجاوز حالة الخندقة الأيديولوجية والدينية والمذهبية، وتجاوز مرحلة بناء الجدران الصلبة بين مكونات الأمة الواحدة، من خلال البحث عن مساحات التوافق وتعظيمها وضرورة إيجاد سبل التعاون والمشاركة في عمليات البناء والتنمية، بعيداً عن منطق الإقصاء وسياسة الاستفراد والاستحواذ”. وأضاف أن فصيله الذي وصفه بـ “الحزب المدني” يؤمن بـ “بناء إطار وطني سياسي، يسهم في إعادة بناء الحالة الوطنية الصلبة، وفي إنضاج المشروع الوطني الذي يعبر عن ضمير الشعب، على قاعدة المواطنة والانتماء الحقيقي، والاستناد إلى الشرعية الوطنية، والإيمان بالدولة المدنية الديمقراطية الحديثة”. كما انتقد ضمنياً جماعة «الإخوان المسلمين» المحظورة على خلفية التنافس انطلاقاً من قاعدة التقوى الدينية عوضاً عن البرامج والإنجازات، بالإضافة إلى تأجيج الطائفية والسياسات الإقصائية. وشكّل دعم المملكة الهاشمية عنصراً أساسياً من خطابه، إذ قال: “الهوية الوطنية الأردنية هوية عروبية إسلامية، وهي محل فخر واعتزاز، ولا تعارض بينها وبين العمل الوحدوي مع كل الأقطار العربية والإسلامية“.

وفي حين ستلقى منصة “زمزم” المتواضعة نسبياً بلا شك ترحيباً من قبل عمّان وواشنطن، لا تشكل هذه المنظمة حلاً شافياً للمشاكل المرتبطة بالإسلاميين الأردنيين. فعلى سبيل المثال، يعتبر غرايبة أن حزبه الناشئ ليس “ذراعاً سياسياً لجماعة «الإخوان المسلمين» المرخصة”، إلا أنّه يبقى شبيهاً بـ «جبهة العمل الإسلامي» من ناحية واحدة على الأقل: أن “خطة الاستيطان للاحتلال الصهيوني” هي الشغل الشاغل لبرنامجه وأن إسرائيل تُعتبر “العدو والخطر الأول الذي يهدد مجتمع المسلمين وكافة الدول العربية”، بالرغم من مرور عقدين على اتفاقية السلام الثنائية. وفي مقالة نشرتها صحيفة “الدستور” الحكومية الأردنية في آذار/مارس، لقب غرايبة نفسه إسرائيل أول “«داعش» يهودي”، مستعيراً الكنية العربية المخصصة عادةً لما يُعرف بتنظيم “الدولة الإسلامية”.

التداعيات

في أيار/مايو الماضي، خططت جماعة «الإخوان» الأردنية تنظيم تظاهرة كبيرة لإحياء الذكرى السبعين لتأسيسها، إلا أن الحكومة لم تمنحها إذناً لإقامة التظاهرة. وعلى الرغم من أنها هددت بالتجمع على كافة الأحوال، فقد تراجعت في النهاية ولم ترَ التظاهرة النور. وكان من المتوقع أن يواجه «الإخوان» خياراً مماثلاً في السابع من نيسان/أبريل، وربما قاموا على الأرجح بتأجيل الانتخابات الداخلية لتجنب احتمال قمعها من قبل الحكومة. وفي سيناريو بديل، قد يقوم «الإخوان» بإجراء الانتخابات في أماكن محلية أقل بروزاً من المكان التقليدي ألا وهو قاعة “المركز الثقافي الملكي في عمّان“.

ومن غير الواضح كيف سيستجيب القصر الملكي لهذا السيناريو الأخير. ففي ظل الضغوط الاقتصادية والأمنية المتزايدة المرتبطة باللاجئين السوريين المقيمين حالياً في المملكة والذين يبلغ عددهم 1.4 مليون سوري، تُفضل عمّان تجنب اشتباك مباشر مع «الإخوان المسلمين». ويقيناً أنّ التنظيم تراجع بفعل قمع الحكومة محلياً وعدة تطورات خارجية، خصوصاً الانقلاب الذي وقع في مصر عام 2013 والذي أطاح بحكومة محمد مرسي التابعة لـ «الإخوان». وفي كانون الأول/ديسمبر على سبيل المثال، استقال 400 عضو من الحزب من أصل 1500 يكوّنون «جبهة العمل الإسلامي». إلا أن جماعة «الإخوان» أثبتت قدرتها على الصمود في الماضي وما زالت تتمتع بدعم شعبي واسع في المملكة.

وفضلاً عن المخاوف السياسية المحتملة، فإن أي حملة اعتقالات ومضايقات بحق أعضاء «الإخوان» من شأنها إرهاق الخدمات الأمنية المحلية المثقلة بالفعل في الأردن. وفيما تستمر الحرب في سوريا حيث دخلت عامها الخامس، تواجه المملكة تحدياً غير مسبوق ناجماً عن التطرف المحلي والمخططات الإرهابية. ففي الشهر الماضي، قتلت القوى الأمنية في إربد ثمانية إرهابيين تابعين لتنظيم «الدولة الإسلامية» كما يُزعم، كانوا قد بلغوا مراحل متقدمة في التخطيط لهجوم. وفي حين يشكل الفرع المحظور للـ «الإخوان المسلمين» مصدر قلق دائم للقصر الملكي، تخلت الجماعة عن العنف في سياساتها. وبما أنها تفتقر للأموال وتم إقصاؤها عن قيادتها في القاهرة وتركيا وفي ظل التنافس مع خصمها المرخص من قبل الحكومة و”مبادرة زمزم”، لم تعد الجماعة المتمسكة بأفكارها القديمة كما كانت عليه سابقاً، بحيث أصبحت تُعتبر مصدر إزعاج أكثر منه تهديداً لعمّان.

وحتى مع ذلك، تشعر واشنطن بالقلق إزاء الاستقرار في الأردن وستتابع على الأرجح التطورات عن كثب هذا الأسبوع. ويُخشى أن تأتي أي خطوات إضافية متخذة بحق جماعة «الإخوان» المحظورة، بالرغم من كونها مبررة ربما، بنتائج عكسية. ولكن، بالنسبة إلى عمّان، فتفكيك الجماعة القديمة وتطوير “مبادرة زمزم” هما حجر الأساس لِما يبدو استراتيجية محلية طويلة الأمد وطموحة لمكافحة التطرف. وإذا ما حدثت مواجهة محتملة في السابع من نيسان/أبريل فقد تزودنا بمؤشر مبكر على فرص نجاح الخطة.

ديفيد شينكر هو مدير برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى