مقالات مختارة

نظرية يا وحدنا الكارثية – منير شفيق

 

دأب البعض منذ المواجهات الأولى التي خاضتها المقاومة الفلسطينية (الثورة الفلسطينية في الأصح) مع الجيش الصهيوني، أو مع بعض الحكومات العربية على الترويج لنظرية، أو لشعار “يا وحدنا “.

ودأب أولئك البعض، ومعهم عدد من المحللين السياسيين أن يقدموا تحليلاً سياسياً، أو تقديراً للموقف متشائماً أو سوداوياً.

بالمناسبة أُطلِق اسم الثورة أيام برنامج التحرير الكامل لفلسطين، وأصبح الاسم “المقاومة الفلسطينية” بعد برنامج النقاط العشر، أو بعد حصر الهدف بإقامة دولة فلسطينية على الأراضي التي احتُلت في حرب حزيران/يونيو 1967. أي انتقلنا من مشروع ثورة لتحرير فلسطين إلى مشروع مقاومة الاحتلال. ثم شاع مع شيوع المقاومة الإسلامية في لبنان ليأخذ أبعاداً جديدة.

وعودٌ لشعار “يا وحدنا”، فقد كان الوليد الشرعي للتحليل السياسي أو تقدير الموقف، الذي يُبالِغ بقوّة العدو الصهيوني، والدعم الأمريكي له، كما يُبالِغ بإبراز التخاذل الرسمي العربي والتقاعس الإسلامي ويقلّل من تأثير الموقف الشعبي أو الرأي العام باعتبارهما مغلوبين على أمرهما. ومن ثم راح يتوقع تصفية القضية الفلسطينية كلما جرى تحرّك سياسي، أو سمع بمشروع حل تصفوي، أو وقعت مواجهة.

وقد أصبح التفاؤل تهمة، وكل تحليل سياسي (أو تقدير موقف) يقول بإمكان الانتصار في المواجهة، وإحباط المؤامرة، أصبحا غريبين في عالم التشاؤم، أو عالم “يا وحدنا“.

يخطئ، وأخطأ دائماً من رفعوا شعار “يا وحدنا” بدليل أن القضية الفلسطينية لم تدخل مصير التصفية حتى بعد التوقيع على اتفاق أوسلو، والدليل الثاني أن المقاومة استمرت بعد اتفاق أوسلو بل تصاعدت في لبنان وفلسطين ولم يضرّها تراجُع من تراجَعَ من فصائل المقاومة.

أما الخطأ الثاني الذي كان يُرتكَب باستمرار فقد تمثل في عدم رؤية ما يعانيه العدو وأمريكا من نقاط ضعف، وما يتمتع به الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية من زخم في دعم المقاومة ومعارضة كل تخاذل. مما يجعل الموقف الرسمي العربي في أسوأ حالاته منقسماً على نفسه بمعنى بقاء أطراف منه ضاغطة في مصلحة المقاومة. ثم أضف الرأي العام العالمي الذي أصبح منذ الانتفاضة الأولى فالثانية، ولا سيما في هذه الأيام أكثر انحيازاً ضد السياسات الصهيونية.

تيار “يا وحدنا” استمر يتردّد حتى بعد معركة الكرامة التي قوبِلَت بدعم شعبي ورسمي عربي منقطع النظير. وكذلك بعد كل مواجهة فشل فيها العدو بتصفية المقاومة حتى لو اضطرت للتراجع عن بعض المواقع مثلاً الخروج من لبنان عام 1982، حيث عوّض ذلك ببروز المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الصهيوني، كما بتصعيد مقاومة الداخل وصولاً إلى اندلاع الانتفاضة الأولى، وما لاقته من دعم عربي شعبي وشبه رسمي.

عندما تقول للمقاتل، أو للمناضل، أو للمنتفض، أو الذي يواجه مؤامرة من شقيق، بأنك لوحدك، وأن كل الأوضاع في غير مصلحتك، فأنت تقول له أنت مهزوم، ولا تملك إلا أن تقاتل لوحدك حتى تنتهي. ثم إذا قلت للشعب الفلسطيني أنت لوحدك فأنت تقول له، الحكمة تقضي بأن تتجنب مواجهة فاشلة. أو هو سيَفْهَم منك ذلك، حتى لو لم تقله صراحة أو رحت تقول له قاتل وحيداً ومت شهيداً.

من يدقق في جوهر كل حرب نفسية يشنها العدو ضد فرد مقاوم أو فصيل مقاوم، أو شعب يقاوم، هو إقناعه بأنه لوحده وأن الكل ضدّه. ومن ثم من الحكمة ألاّ يدخل معركة خاسرة.

ولهذا فإن شرط كل تعبئة ضد الحرب النفسية التي يطلقها العدو، هو إبراز عزلته وضعف التأييد العالمي له، وإمكان إنزال الهزيمة به. وذلك من خلال إبراز نقاط قوّتك وأولها بأنك لست وحيداً، وإذا قاتلت ستتعاظم جبهتك شعبياً، وحتى عربياً رسمياً ناهيك عن جماهيرياً.

عندما اندلعت المواجهات في المسجد الأقصى عادت نظرية يا وحدنا تروّج خصوصاً مع عدم وجود تحرّك عربي رسمي وإسلامي على مستوى الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.

       ويظن البعض، وبحسن نيّة، أن التركيز على التخاذل الرسمي العربي والإسلامي يؤدي إلى تحريك المعنيين فيما هو محبط وذلك بدلاً من التشديد على ما ينبغي للفلسطينيين أن يفعلوا. مما سيفرض تحركاً شعبياً عربياً وإسلامياً وسيفرض تحركاً رسمياً كذلك. فالمقدسيون والفلسطينيون ليسوا وحدهم بالتأكيد فالله معهم والأمة معهم والرأي العام العالمي معهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى