مقالات مختارة

طوق النقد يحاصر أردوغان أوغلو محمد نورالدين

 

كان الكتاب الذي أصدره أحمد سيفير مستشار الرئيس التركي الأخير عبدالله غول بمثابة قنبلة انفجرت بوجه حزب العدالة والتنمية وتحديداً رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان ورئيس الحكومة والحزب أحمد داود أوغلو.

السلطة التنفيذية في تركيا هي بيد رئيس الحكومة والوزراء. وكل السياسة الخارجية التركية في السنوات الأخيرة كانت بيد أردوغان كرئيس للحكومة وداود أوغلو كوزير للخارجية. ولم يكن غول كرئيس للجمهورية شريكاً كاملاً في صناعة السياسة الخارجية إلا بمقدار ما يتيحه موقعه من صلاحيات دستورية عامة في التوجيه والإرشاد والنصح حتى إذا لم يسمع رئيس الحكومة ووزير الخارجية إلى أفكاره فإنه لم يكن قادراً على أن يفعل شيئاً. هذا ليس تبريراً لسلوك غول في المرحلة السابقة ، إذ يؤخذ عليه أنه لم يكن أكثر جرأة. لكن المشكلة هي طريقة تعاطي أردوغان اليوم مع صلاحياته الدستورية بحيث إن ما كان يأخذه غول منها غراماً يأخذه أردوغان كيلوغراماً معطياً تبريرات واجتهادات وهمية لتغطية الاستئثار والتسلط والهيمنة التي تلازم شخصية أردوغان بخلاف شخصية غول.

يقول غول في كتاب مستشاره : إنه كان يعترض على سياسات تركيا تجاه مصر وسوريا وأن أردوغان كان يتصرف كما لو أنه رئيس لحكومتي مصر وسوريا وداود أوغلو كما لو أنه وزير لخارجيتي مصر وسوريا. ويقول غول : إنه قال هذا الكلام بوجهيهما.

الكتاب لاقى ردود فعل كبيرة وألحق ضرراً في صورة حزب العدالة والتنمية حيث أظهر انقساماً وتبايناً في الموقف من أزمات المنطقة الكبيرة.

ما لم يكن غول يقوله علناً عندما كان رئيساً للجمهورية صار بإمكانه أن يقوله علناً. بل أكثر من ذلك يقوله بجرأة في حضور رئيس الجمهورية نفسه الذي كان يجلس على الطاولة نفسها مع غول في إفطار رمضاني.

يقول غول : إن تركيا لم تعد ذلك البلد الذي يشارك في رسم صورة المنطقة وإنه يجب أن تعود لتكون مركز استلهام لدول المنطقة. وقال : إن تركيا تضررت في مصر وليبيا ودول الخليج ويجب أن تعود كما كانت داعياً إلى انتهاج سياسات أكثر واقعية.

هذا الموقف الثاني العلني لغول جاء ليزيد الضغوط على الحكومة ولا سيما أنه ليس لتركيا سفراء في أربع دول أساسية في المنطقة هي سوريا و«إسرائيل» ومصر وليبيا.

أول وزير خارجية لتركيا في عهد حزب العدالة والتنمية ياشار ياقيش سبق غول ومنذ سنوات في انتقاده لسياسة تركيا الخارجية ولا سيما تجاه سوريا ومصر.

يقول ياقيش في أحد حواراته الإعلامية الأخيرة : إن على تركيا أن تعترف أولاً بأن التوازنات في المنطقة قد تحولت لصالح إيران ، وعلى تركيا بالتالي أن تفتح صفحة جديدة مع إيران وقال : إنه لم يعد أحد في تركيا يدافع عن سياسة تركيا في المنطقة. على أنقرة أولاً أن تغير سياساتها وتنتقل بها من بعدها المذهبي إلى إعطاء أولوية للبعد العلماني. ورأى ياقيش أن ائتلافاً بين العدالة والتنمية والشعب الجمهوري وإعطاء وزارة الخارجية للشعب الجمهوري سيكون أمراً ممتازاً. لكن المشكلة هي بين شفتي الثنائي أردوغان- داود أوغلو. فما الذي سيفعلانه؟ يشكل أيضاً الاتفاق النووي بين إيران والغرب عامل ضغط كبير على تركيا. ففي لحظة التقدم الإيراني تتراجع تركيا وتجد نفسها أكثر عزلة.

الانتقاد لسياسات أردوغان- داود أوغلو جاءت أيضاً من المؤسسة العسكرية عبر رئيس أركانها الحالي الجنرال نجدت سيزير الذي رفض التجاوب مع تعليمات أردوغان بدخول سوريا لإقامة منطقة عازلة. أيضاً آخر رئيس للأركان إيلكير باشبوغ صرح بأنه يجب تغيير سياسة تركيا تجاه سوريا والعمل لتقوية موقع الدولة السورية وإخراج تركيا من صورة البلد الداعم للإرهاب.

أيضاً فإن الكثير من المعلقين ودوائر الضغط الداخلية في تركيا تدعو لتشكيل حكومة ائتلافية بين حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري اليساري العلماني ليكون ممكناً إجراء تغيير في سياسات تركيا الخارجية التي لم يعد مقبولاً أن تستمر على هذا النحو.

الجميع يدعون لتغيير السياسات الخارجية لتركيا. أما المكابرة من قبل الثنائي أردوغان- أوغلو فلن تفيد إلا في تأخير اعترافهما بالحقيقة المرة وهي أن صورة تركيا في عهدهما وصلت إلى الحضيض.

(الخليج)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى