مقالات مختارة

الاتحاد الأوروبي: انقلاب المسار حميدي العبدالله

 

النتائج التي أسفر عنها الاستفتاء الذي أجري في اليونان حول قبول أو رفض شروط الدائنين، والتظاهرات الفورية والعفوية التي شهدتها إسبانيا بعد إعلان نتائج استفتاء اليونان، والتي ترفض سياسة التقشف والانحياز إلى جانب الدائنين، تؤكد انقلاب مسار الاتحاد الأوروبي. فعندما كان الاتحاد الأوروبي قيد التكوين كانت الشعوب الأوروبية الأكثر فقراً هي التي تتطلع إلى دخول الاتحاد، وكانت الاستفتاءات التي تجري في هذه البلدان تعكس اندفاعاً واضحاً باتجاه الاتحاد، وكانت هذه الدول الأوروبية الأغنى، مثل سويسرا وبعض الدول الاسكندنافية هي التي ترفض دخول الاتحاد نزولاً عند رغبة غالبية شعوبها التي كانت تخشى أن يقود دخول بلدانها إلى الاتحاد الأوروبي إلى تراجع مستوى معيشتها وفقدان الامتيازات التي حصلت عليها، ولذلك كانت دائماً نتائج الاستفتاءات في هذه الدول «لا» قوية ضد الاتحاد الأوروبي.

اليوم، وبعد أن استكمل الاتحاد الأوروبي مسيرته في استقطاب الدول، ولا سيما البلدان الأوروبية، الأقلّ غنى، انعكس مساره في ضوء الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالاقتصاديات الغربية، بدءاً من عام 2008 ولا تزال هذه الأزمة تخيّم على هذه الاقتصادات، ولم تفلح كلّ العلاجات ومحاولات الخروج من الأزمة، وأمام محاولات تحميل الشعوب الأكثر فقراً مسؤولية حلّ الأزمة عبر سياسات التقشف والانحياز إلى جانب الدائنين، بدأت الشعوب الأوروبية التي راهنت على الاتحاد لتحسين مستوى معشيتها تراجع حساباتها، ولم تعد ترى في الاتحاد الحلم للتخلص من كابوس الفقر، بل إنها ترى أنّ الاتحاد هو سبب الفقر وفقدان فرص العمل.

وإذا كان مبدأ قيام الاتحاد الأوروبي قائماً على فكرة احترام إرادة الشعوب الأوروبية عبر الاستفتاءات التي تجري لتقرير الانضمام أو عدم الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، إلا أنّ مؤسسات الاتحاد الأوروبي، كانت أقرب إلى أن تكون مؤسسات بيروقراطية تعبّر عن سيطرة الأقلية الغنية منها إلى مؤسسات ديمقراطية حقيقية تعبّر عن إرادة غالبية الشعوب الأوروبية. وعلى عكس البرلمان الأوروبي الذي لم يعزز المسيرة الديمقراطية لأوروبا، بل بدا وكأنه ألعوبة بيد الحكومات الأوروبية التي تنفرّد بتعيين السلطة التنفيذية في الاتحاد، فإنّ تجربة اليونان، وقبلها تجارب بعض الدول الاسكندفانية التي رفضت شعوبها دخول الاتحاد، تشير إلى بداية استعادة الديمقراطية الحقيقية، حيث ستكون الكلمة الأولى للشعوب وليس للبيروقراطيات الحاكمة التي تأتمر بأوامر صندوق النقد الدولي والدائنين.

اليونان لن تكون مثالاً منفرداً، وليست الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، بل هي بداية مسار جديد للشعوب الأوروبية، وإذا كانت دول مثل إسبانيا والبرتغال مرشحة الآن للسير على خطى اليونان، فإنّ بلداناً أوروبية أخرى مثل إيطاليا ستحذو حذو اليونان، وعندها يمكن الاستنتاج بأنّ الاتحاد الأوروبي أمام مفترق طرق: إما إعادة النظر بالسياسات وبالأسس الحالية التي قام عليها الاتحاد الأوروبي، واحترام إرادة شعوبه، والعودة إلى مسار الديمقراطية، وإما تفكيك الاتحاد والعودة إلى حدود الدولة القومية الذي ساد منذ الثورة البرجوازية وحتى لحظة قيام الاتحاد الأوروبي.

(البناء)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى