مقالات مختارة

لا حل سوى انتصار الجيش العربي السوري د. إبراهيم علوش

 

في الميدان السوري اليوم لاعبان رئيسيان: 1 الدولة صاحبة الشرعية الوطنية والقومية والدستورية، ومعها الجيش العربي السوري، 2 القوى الإرهابية التكفيرية، التي تنقسم بدورها إلى قسمين رئيسيين متناحرين، داعش في شرق سورية وغرب العراق من جهة، والجماعات المنضوية تحت لواء «جيش الفتح» في الآونة الأخيرة من جهة أخرى، المكون بدوره من جماعات متصارعة لم تتجمع في إطار واحد في إدلب أو جنوب سهل حوران إلا لأن مموليها وداعميها الإقليمين في تركيا قطر والسعودية عادوا واجتمعوا بعد اختلاف.

لن ندخل في جدال حول نسب الشعب السوري التي تؤيد هذا اللاعب الرئيسي أو ذاك في الميدان السوري، ولا ننكر أن أقساماً من الشعب العربي تؤيد التكفيريين، كظاهرة عامة لا تتعلق بسورية وحدها إنما لا جدوى من إنكار أيضاً أن الدولة السورية ما كانت لتصمد أمام هجمة كونية بحجم الهجمة التي تعرضت لها، في عامها الخامس حالياً، لولا وقوف أقسام رئيسية من الشعب العربي السوري معها، ولا ينفي ذلك بتاتاً وجود انتقادات وملاحظات وتحفظات هنا أو هناك، وهو ما لا يجوز أن يلتبس بتاتاً مع مشروع تدمير سورية وتفكيكها وإخضاعها للطامعين، وهو المشروع الدموي الإرهابي الذي لا تمكن مواجهته إلا بدعم القوة الفعلية التي تتصدى له على الأرض: الدولة السورية.

المهم أن: أ كل القوى والشخصيات السورية التي لا تنتسب لمعسكر الدولة الوطنية السورية، أو معسكرات التكفيريين والإرهابيين، ليست ذات وزن ذي شأن جماهيرياً أو ميدانياً، وبالتالي سياسياً، ب ـ أن القوى التكفيرية والإرهابية تدفع الصراع في سورية أكثر وأكثر باتجاه طائفي أهلي، وأنها نجحت بذلك جزئياً بالترافق مع حملة الضخ الطائفي في الإقليم، ج أن الشكل الأساسي للصراع في سورية اليوم هو الشكل العسكري، رغم وجود أشكال أخرى له سياسية وعقائدية، ذات امتدادات شعبية عربية، لا تعطيها الدولة السورية حقها الكامل في الواقع، إذ من دون اكتساح الثقافة التكفيرية البترودولارية بالثقافة القومية والوطنية والنهضوية والتقدمية والإسلامية المتنورة لن يتم اجتثات المنابع الحقيقية للإرهاب التكفيري في سورية والبلدان العربية، ولن تعرف سورية ولا أي قُطر عربي السلام والأمن خلال العقود المقبلة.

كلا المبادرتين المصرية والروسية للحل في سورية، مع كل الاحترام لهما، لا تأخذان الوقائع السورية أعلاه بعين الاعتبار، وتحاولان القفز من فوقها بتكريس «معارضة سورية» مدنية غير تكفيرية مقابل الدولة السورية كأساس للحل السياسي. وعلى رغم حاجة هاتين المبادرتين الماسة لإيجاد مثل تلك المعارضة من لا شيء، لو لم تكن موجودة، وعلى رغم التعسف المتضمن في هاتين المبادرتين في وضع طرف هامشي في ميزان القوى عملياً إزاء الدولة السورية، فإن الدولة السورية سايرت هاتين المبادرتين مع بسمة وتحية ووردة أولاً لأنهما تقفان في مواجهة ائتلاف دولي وإقليمي غاشم لا يزال يصر على «إسقاط النظام السوري»، وعلى تدمير سورية فعلياً، وثانياً لأن الدولة السورية معنية بالحل السياسي للأزمة، وقد أثبتت أنها لا تتوانى عن متابعة أي مسار يساعد في فكفكتها، من المصالحات الداخلية إلى الحوارات الخارجية، على رغم قناعتها وتأكيدها أن الحوار الحقيقي يكون في سورية لا خارجها.

لكن الوقائع العنيدة تبقى أن القوى الوازنة المناهضة للدولة السورية ولغيرها ليست معنية بأي حل سياسي، إما بسبب طابعها التكفيري الإرهابي المتصلب، أو بسبب غربتها عن سورية، أو بسبب ارتباطاتها الخارجية بجهات إقليمية ودولية غير معنية بأي حل سياسي في سورية! ونقطة الارتباطات الخارجية نقطة جوهرية هنا، إذ نلاحظ أن ما يجري في الإقليم ينعكس مباشرة على سورية. فتغيير الطاقم الحاكم في مملكة آل سعود انعكس مباشرة على تجميد الصراعات موقتاً بين العصابات المسلحة التابعة لكل من تركيا وقطر والسعودية، ولنا أن نتخيل فقط كيف يمكن أن يحولوا سورية إلى صومال أو أفغانستان جديدة تمزقها الصراعات الداخلية لو قيض لهؤلاء أن يحكموا لو افترضنا جدلاً أن الأمور وصلت لذلك الحد. كذلك، انعكست ثورة «30 يونيو» في مصر بشكل إيجابي على سورية ليس فقط بالإتيان بحكم مقتنع بالحل السياسي في سورية على الأقل، ويعتبر القيادة السورية جزءاً منه، ولكن بمنع زج مصر بكل إمكاناتها في الصراع الأهلي في سورية، وهو ما توعد المخلوع محمد مرسي بفعله. ويمكن أن نضيف أن أي تغيير في الحكم في تركيا، بعيداً من حزب العدالة والتنمية الإخواني، سواء بحكومة ائتلاف بعد فشل الإسلاميين بالحصول على غالبية مطلقة في الانتخابات النيابية الأخيرة، أو بانتخابات مبكرة في الخريف المقبل، سوف ينعكس إيجابياً بشكل مباشر على المشهد السوري بعامة، وعلى شمال سورية بخاصة.

كذلك جاء تدخل طيران الناتو قرب حلب لمصلحة «جبهة النصرة» القاعدية، ضد قوات «داعش» وهي تحاول التقدم من صوران لأعزاز ليؤكد أن مفاتيح الحل والعقد للأزمة السورية هي مفاتيح إقليميةٌ ودوليةٌ، وأن البحث عن حل سياسي يقوم على ثنائية الدولة السورية مقابل «المعارضة المدنية» هو لعبٌ بالوقت الضائع لا يمكن أن يحل محل إدراك روسيا ومصر أنهما مستهدفتان كسورية، وأنهما مستهدفتان في معركة سورية، وأن ما يقوم به التكفيريون في روسيا وجوارها، أو في سيناء، لا يمكن فصله عما يقومون به في سورية، لا في النوع ولا في المحركات.

باختصار، الحل هو انتصار الجيش العربي السوري، واسترجاع سيادة الدولة السورية على كل بقعة من الأراضي السورية انحسرت عنها. وإذا كانت مصر قد قطعت شوطاً كبيراً، منذ الإطاحة بمرسي، في اتخاذ موقف أقرب لمصلحتها الوطنية ومصلحة الأمن القومي العربي في سورية، فإن التباعد المصري-السعودي الناشئ عن اقتراب السعودية من قطر وتركيا والإخوان يعد باستكمال مصر لذلك المسار.

(البناء)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى