مقالات مختارة

لماذا رهان جنبلاط «وصقور المستقبل» بسقوط الساحل السوري مُجرّد «أوهام»؟ ردّ المقاومة : القلمون واحتواء هجوم «الشمال» ونفاد «الصبر الاستراتيجي» ابراهيم ناصرالدين

 

الاجواء الاحتفالية الصاخبة لدى «خصوم» محور المقاومة في لبنان على «قدم وساق»، النائب وليد جنبلاط عاد مجددا الى «ضفة النهر» انتظارا لمرور «جثة» الرئيس السوري بشار الاسد، «صقور» تيار المستقبل يعيشيون حالة من «الانتشاء» على وقع النتائج «الباهرة» المحققة في الشمال السوري وينصحون «الحمائم» بعدم الاستعجال في «تطبيع» العلاقة مع حزب الله وفق الشروط الراهنة لان موازين القوى ستنقلب قريبا، اما الاعلام السعودي فقد بدأ حملة مبرمجة لهز الاستقرار اللبناني على وقع نزوح متوقع للعلويين من سوريا، جميع هؤلاء يراهنون على حسم قريب لمعركة الساحل السوري وسقوط «عرين» الاسد وهذا يعني اننا امام اسابيع معدودة لنهاية النظام ومعه الحلفاء في المنطقة وفي طليعتهم حزب الله. هل هذه المقاربة واقعية؟ وهل ستكون «الثالثة» ثابتة؟

اوساط قيادية بارزة محسوبة على محور المقاومة ترى ان هؤلاء يخلطون مجددا بين ما يتمنون حصوله وبين الواقع الذي يشير بوضوح الى حصول انتكاسة عسكرية «محدودة» في الشمال السوري، لكنها ليست مقدمة لتغييرات استراتيجية تقلب المشهد «رأسا على عقب»، فما يحصل في ادلب ومحيطها اليوم هو الموجة الثالثة من ما يسميه هؤلاء اسقاط معاقل «العلويين» في الساحل السوري، فالموجة الأولى اندلعت في خريف 2013 بعد قيام عدة آلاف من مسلحي المعارضة السورية بشن هجوم كبير على جبال اللاذقية انطلاقا من منطقة سلمى المحاذية لتركيا، ولكن هذا الهجوم فشل بعدما تمكن الجيش السوري من استعادة كامل المناطق والتلال التي سيطر عليها المسلحون بعد شهر من بدء الهجوم، والهجوم الثاني كان عبر كسب قبل نحو عام من اليوم عندما فتحت تركيا حدودها لنحو 5 آلاف مسلح ينتمون «لجبهة النصرة» و«الجبهة الاسلامية» في معركة اطلق عليها «غزوة الانفال»، وقيل يومها انها ستكون مقدمة لتضييق الخناق على الدولة السورية ووقف تقدم الجيش السوري وحلفائه في المنطقة الوسطى وفي ريف دمشق عبر اسقاط الساحل السوري بيد المعارضة المسلحة.

يومها لم يكن احد من هؤلاء يظن ان هذه المعركة ستكون خاسرة تضيف الاوساط، راهنوا على التدخل التركي الذي كان اكثر وقاحة ، ففي معركة كسب لم يتوقف الامر عند التنسيق مع قطر للسماح لمئات المقاتلين من اجتياز الحدود التركية في اتجاه قرى ريف اللاذقية، فقد تعدى الدور التركي هذه المسألة، فتركيا أمنت دعما لوجستيا كبيرا للمجموعات العسكرية وسهلت استهداف النقاط العسكرية للجيش النظامي عن طريق اعطاء المقاتلين معلومات وتقارير عن انتشار القوات النظامية، مما أدى الى مفاجأة الجيش السوري وشل قدرته على الحركة.كما اسقطت الدفاعات الجوية التركية طائرة حربية سورية، كما ساهمت المدفعية التركية في تامين تغطية نارية للمهاجمين، لكن المفاجأة كانت بان «المتوهمين» اللبنانيين بسقوط الساحل السوري لم يدركوا ان لتركيا اهدافاً اخرى، فهي لم تقدم يومها على هذه العملية لاسقاط المناطق «العلوية»بيد تلك المجموعات التكفيرية، وانما لإنشاء مرفأ بحري في منطقة راس البسيط تستعمله المعارضة السورية المسلحة في عمليات التزود بالسلاح وبالرجال عبر البحر بدل المرور عبر تركيا التي لم تكن تريد الدخول في سجال مع واشنطن في الموضوع السوري، وهي كانت تدرك انها ستكون مضطرة للخضوع للضغوط الاميركية في وقت لاحق لوقف دعم المسلحين، وهذا الوضع سوف يمنع الدعم والإمداد العسكري عن مسلحي المعارضة في الشمال السوري، ما يسهل عملية القضاء على كل المجاميع المسلحة التي أسستها تركيا بالتعاون مع جماعة الإخوان المسلمين.

ماذا يعني هذا الكلام؟ يعني ان تركيا ليست في وارد السماح «بمذبحة» في المناطق العلوية وهي تعرف ان هذا الامر ستكون له ارتدادات داخلية كبيرة في اقليم اسكندرون المحتل والمعروف باقليم «هاتاي» وهي لا تريد انتقال الحريق السوري الى داخل الاراضي التركية، ولذلك اضطرت يومها الى اقفال حدودها مجددا ووقف عمليات الدعم اللوجستي، وما حققته المجموعات المعارضة في كسب ذات الأكثرية الأرمنية بقي انتصارا صغيراً لا قيمة له على المستوى الإستراتيجي، وتلاشى بعد اشهر عندما استعادت القوات السورية المبادرة واسترجعت ما خسرته سابقا، وهذا ما كان ليحصل لولا عدم قدرة انقرة على تحمل تداعيات هذه الخطوة داخليا، وكذلك الموقف الحاسم من قبل طهران وموسكو اللتان وضعتا خطا احمر لا يزال قائما حتى يومنا هذا بمنع وصول المعارضة الى الشاطىء.

وفي هذا السياق تلفت تلك الاوساط الى ان ثمة مبالغة كبيرة في البناء على نتائج المواجهات في الشمال السوري، فتركيا تريد تحسين موقعها الاقليمي على طاولة المفاوضات، ولكنها لا تملك القدرة على «قلب الطاولة» على ايران او روسيا في سوريا، وطهران لن تسمح للحلف السعودي-التركي المستجد بكسب المواجهة من «البوابة» السورية في الوقت الذي تعزز قدراتها الاستراتيجية في المنطقة، فحلفاء واشنطن يعلمون ان إدارة أوباما لديها أولوياتها التي لم تغيّرها، فهي تعتبر تيارات السلفية المسلّحة كـ«القاعدة» و«داعش» عدوّها الأول، وهي تتجهّز لمرحلة جديدة من علاقات «التطبيع» مع إيران، وتتقاسم قوّات الطرفين المهمّات الجوّية والبرية في حربهما في العراق وسوريا. اما اجتماع كامب ديفيد الخليجي ـ الأميركي في 13 من الشهر المقبل فهو سيكون محاولة «فاشلة» لتغيير الوقائع، فثمة هوّة هائلة بين دول الخليج وايران ولن تنجح القمة في الحد من صعود القوة الإيرانية، والمرحلة المقبلة ستكون اختبار جدي لدول الخليج العربية للتكييف مع الوقائع بعد ان ورطت السعودية الجميع في حرب اليمن و«اول الغيث» خروج الخلافات داخل العائلة المالكة الى العلن، وهو ما ترجم بالاوامر الملكية الاخيرة.

اما حليفتهم واشنطن فقد بدات بنقل ترسانتها العسكرية واهتمامها الدبلوماسي إلى منطقة شرق اسيا بعد اكثر من عقد من الحروب «المنهكة في الشرق الاوسط»، وكجزء من هذه الخطوة، نشرت الولايات 60 في المئة من اصطولها البحري في منطقة اسيا والمحيط الهادئ، وفي هذا السياق كشف وزير الخارجية الأميركي جون كيري عن مبادئ توجيهية جديدة للتعاون الدفاع بين الولايات المتحدة واليابان بهدف تحفيز طوكيو على اتخاذ ادوار عسكرية اكبر كثقل موازن للصين؟ ماذا تعني هذه المعطيات؟ تعني ان واشنطن تريد التحلل من اعباء الحلفاء و«الضوء الاخضر» ا للسعودية لفعل شيء ما في اليمن كان فرصة اخيرة لتعديل موازين القوى، وقد فشلت السعودية في ذلك، والرياض تحاول تحقيق مكسب ما في سوريا لكن هذا الامر سيصطدم «بالحسابات» التركية غير القادرة على تجاوز الايرانيين والروس.

وفي هذا السياق ثمة رسائل ايرانية شديدة «اللهجة» وصلت الى تركيا والسعودية، تزامنا مع زيارة وزير الدفاع السوري الى طهران، هذه المرة حملت توقيع قيادة الحرس الثوري الايراني وليست الديبلوماسية الايرانية، ومفادها ان «الكيل» قد «طفح»، وهذا له دلالات كبيرة يفهمها الجميع. فعندما يقول الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله ان السعودية ستخسر في اليمن والخوف على مصير النظام في سوريا اصبح وراءنا، وعندما يقول قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني قبل ساعات ان الاوضاع في سوريا ستتغير قريبا، فهذا يعني اننا سنكون امام تطورات «دراماتيكية» في الايام والاسابيع المقبلة، ليس اقلها البدء بمعركة القلمون المنتظرة، واحتواء هجوم الشمال السوري، ونفاذ «الصبر الاستراتيجي» في اليمن. وهذا يعني ان جنبلاط ومن معه من قوى 14 آذار ستطول اقامتهم على «ضفة النهر».

(الديار)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى