مقالات مختارة

المسارات المحتملة لعدوان «عاصفة الحزم» العميد د. أمين محمد حطيط

 

قد تجد السعودية في قرار مجلس الأمن الأخير في شأن اليمن ستاراً يغطي عدوانها أولاً وخيبتها المركبة من هذا العدوان ثانياً، ولكن الظن شيء والواقع شيء آخر يختلف كلياً عما تحلم به السعودية ومن أغراها بالعدوان تم تركها في الميدان شبه وحيدة ترتكب الجرائم التي سترتد يوماً عليها من دون أن يكون لديها أدني أمل بتحقيق أهداف عدوانها.

ومن لا يريد أن يقتنع أو يصدق بأن السعودية تعيش حالة الخيبة المركبة، يكون قد قرر جفاء الحقيقة وخداع نفسه قبل غيره. فالسعودية كما ذكرنا سابقاً باتت بين خيبتين معقدتين، خيبة في الميدان وخيبة في علاقاتها مع من تتصور أنهم حلفاؤها، ولا يحجب هذه الخيبة ما استحصلت مؤخراً عليه بمالها من قرار من مجلس الأمن لن يكون له إثر في الميدان ولن يغير شيئاً في الواقع.

ففي الميدان وعلى رغم الـ1350 غارة جوية التي ادعت فيها السعودية أنها قتلت 500 من الحوثيين وأنها دمرت مخازن الأسلحة ومدارج الطائرات و… و…الخ، تبين وبوضوح أن السعودية ارتكبت جرائم قتل بحق المدنيين من طبيعة جرائم الحرب وارتكبت جرائم تدمير البنى التحتية اليمنية لكنها لم تستطع أن تمس بالقدرات القتالية للجيش اليمني وللجان الشعبة وأنصار الله الحوثيين، ما مكن هذه القوى من متابعة اندفاعتها للسيطرة وتطهير الجزر الإرهابية التي كانت تعول السعودية عليها كما ومعالجة النتوءات الأمنية في الجسم اليمني.

بمعنى أن السعودية قصفت وأن القوى اليمنية الوطنية من رسمية وشعبية توسعت وتمددت في كل اتجاهات البلاد وحرمت السعودية من أي فرصة لوضع اليد على مكان معقول لإقامة الحكم السعودي عليه. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل خرج الناطق العسكري باسم الجيش اليمني ليعلن أن الرد على جرائم السعودية سيأتي في التوقيت والمكان الذي تحدده القيادة اليمنية، ويكون مؤلماً للسعودية فوق ما تنتظر أو تتصور، والسعودية قبل غيرها تعرف ما معنى هذا التهديد وقد خبرته في الماضي.

أما على صعيد تشكيل حلف العدوان فلم تكن خيبة السعودية أقل مما شهدته في الميدان، حيث أن التحالف الذي عولت عليه يبدو أنه كان وهماً لم ولن يتحقق. والمشهد القائم حالياً ينبئ يقيناً بأن مثل هذا التحالف الذي تدعي السعودية أنه ينفذ «عاصفة الحزم»، لم يتشكل أصلاً وهنا نختلف مع من يقول بأن الحلف تصدع، لأنه لم يتشكل أصلاً، فالقواعد الأساسية لتشكيل الأحلاف معروفة ولم يحترم منها قاعدة واحدة في الحالة السعودية اللهم إلا إذا كانت بيانات التأييد تشكل إحدى هذه القواعد. فللحلف نظام وقيادة وغرفة عمليات وهيئات تخطيط وتنفيذ ومرجعية واستراتيجية وأسلوب عمل وإرادة للعمل المشترك تحقيقاً للهدف المشترك، وأن شيئاً مما ذكر لم يعمل به في ما اسمي تحالف «عاصفة الحزم».

وواقعاً لا نجد دولة واحدة من الدول التي زعمت السعودية انضمامها للتحالف، اتخذت موقفاً ينبئ بانخراطها الجدي فيه، وتفاوتت مواقف الدول بين مشاركة رمزية ببعض الطائرات ووعد بإرسال مفارز رمزية من القوات البرية ورفض كلي للعمل العسكري مع الدعوة إلى حل سياسي للأزمة. فجاء الرفض الباكستاني للمشاركة العسكرية ومشاركة محدودة بـ700 جندي مصري و4 طائرات، ومساهمة أردنية رمزية محدودة وتردد مغربي، وبالنتيجة وجدت السعودية نفسها وحيدة في مستنقع دخلته بسوء تقدير وخطأ في الحسابات أو لنقل بقرار اتخذه من لا عهد له بالسياسة والميدان والاستراتيجيات.

أمام هذه الورطة التي بدأت مفاعيلها تظهر على السلوك السعودي وما يصدر عن المسؤولين السعوديين من مواقف توحي بالارتباك والحرج أو ما يستشف من خلال المؤتمر الصحافي اليومي للناطق العسكري السعودي باسم «عاصفة الحزم»، الذي بات لا يجد ما يقوله بعد أن تحولت تصريحاته إلى الاجترار واستهلاك الذات، وفي ظل انسداد الأفق أمام السعودية للانتصار في العدوان على اليمن وتحقيق ما تبتغيه من إعادة اليمن إلى وصايتها، وفي ظل خواء قرار مجلس الأمن الأخير عن تقديم حل، حيث لم يقدم أكثر من دعم معنوي للسعودية ومعاقبة فارغة لخصومها، فإن السعودية تجد نفسها أن عليها اختيار مسلك من أربعة:

الأول: وقف العدوان، والبحث عن وسيط مقبول يدير حوار اليمنيين، والدخول في تفاوض يخرجها من المأزق ويترك اليمن لأهله. وأننا نرى في هذا الحل، منطقاً وتحديداً لخسائر الجميع. فمن الناحية اليمنية يمكن شعب اليمن من امتلاك قراره المستقل ويضع حداً للقتل والدمار، ومن الناحية السعودية يقفل الباب أمام ردود فعل يمنية ستكون في توقيت ليس بعيد بما يؤلم السعودية في داخلها… لكننا وفي ظل الرؤوس المراهقة الحامية، لا نتوقع أن تسير السعودية في هذا المسلك ولا نتوقع أن تسهله لها دول إقليمية تنافسها في الفضاء الاستراتيجي وفي طليعتها تركيا وقطر.

الثاني: العودة إلى مجلس الأمن لاتخاذ قرار بوقف الحرب والقتال وإعادة تفعيل وساطة المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة واستئناف الحوار الداخلي مع الأخذ في الاعتبار المتغيرات الجديدة. قرار يختلف عن القرار الذي صدر بطلب سعودي، لأن الأخير لم يأت بحل بل جاء دعماً لعدوان. أما القرار الحل فهو ما يرتضيه الجميع ويشكل مدخلاً معقولاً للحوار وقد تكون المبادرة الإيرانية نواة مثل هذا القرار، الذي سيشكل إن اعتمد مخرجاً للسعودية من ورطتها من دون أن تخسر المزيد، لكن ومع المتغيرات الميدانية لن يمنح السعودية أي مكسب في اليمن كما أنه سيشكل مدخلاً لانهيارات وتصدعات في الفضاء الاستراتيجي السعودي اللصيق والمتوسط، وهذا ما قد يحمل البعض في السعودية على رفضه.

الثالث: متابعة القصف الجوي من دون الدخول في مواجهة برية مؤثرة على الأرض اليمنية. قد تجد السعودية هذا المسلك هو الأفضل لها، لكنه في عمقه ليس كذلك لأن المستقبل لن يكون كالماضي، خصوصاً مع بدء التحضير اليمني للرد على العدوان. وأننا نتوقع إذا استمر القصف أن يبدأ الجيش اليمني وحلفاؤه بالرد المدروس داخل السعودية من دون الانزلاق إلى ارتكاب أي عمل يمكن أن يوصف بالإرهاب. ونعتقد أن السعودية ستجد نفسها في دائرة الألم والخسارة الشديدة أن حصل هذا الرد وهو سيحصل في لحظة معينة، خصوصاً بعد أن استكمل اليمنيون تشكيل البيئة المناسبة للرد داخلياً وخارجياً.

الرابع: الدخول إلى اليمن في حرب برية. وقد يكون هذا الخيار الأسوأ بالنسبة للسعودية سواء كان جزئياً أو شاملاً. لأن السعودية ستجد نفسها في حرب استنزاف تلتهم قواها العسكرية وتفرغ داخلها وتخفض مناعتها، وقد يكون هذا الحل أقصر الطرق إلى سقوط السعودية وتقسيمها كما خطط الغرب.

وفي الخلاصة نجد أن السعودية العاجزة عن الانتصار في اليمن بات عليها أن تختار بين خسارة مادية أو خسارة معنوية أو خسارة مركبة والعاقل من يسلك الطريق الأقل خسارة إن تعذر عليه الربح.

(البناء)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى