مقالات مختارة

التحذير من عودة الاغتيالات «رسائل» سعوديّة «بنقض» التفاهمات ابراهيم ناصر الدين

 

ارتفاع منسوب التحذير من عودة الاغتيالات الى الساحة اللبنانية خلال الاشهر المقبلة يحتاج الى الكثير من التدقيق والتمعن في اهدافه ومراميه السياسية والامنية انطلاقا من توقيت الحديث عن تلك المخاطر والشخصيات الرسمية التي تتولى اشاعة هذه الاجواء المقلقة. فما هي الخلفيات؟ ولماذا يتنافس وزير الداخلية نهاد المشنوق ووزير العدل اشرف ريفي على قيادة هذه «الاوركسترا» التي تعيد اجواء التوتر الى البلاد؟

اوساط دبلوماسية في بيروت تعتقد ان هذا الضخ الاعلامي يحمل رسائل اقليمية سعودية اكثر من كونه مجرد تسريبات استخباراتية من اجهزة غربية وعربية تصل تباعا الى الاجهزة الامنية اللبنانية، ففي توقيت شديد الحساسية وفي الامتار الاخيرة لسباق المفاوضات الغربية الايرانية حول الملف النووي، تحاول المملكة بشتى الوسائل افهام الحليف الاميركي «والخصم» الايراني بان اي توقيع على تسوية نووية دون الاخذ بعين الاعتبار مصالحها في المنطقة سيكون له تداعيات على كافة المستويات، ولن يكون هناك اي حصانة لاي تفاهم ضمني شمل عدد من الملفات ومنها التهدئة على الساحة اللبنانية.

وبحسب تلك الاوساط، فان مخاطر حصول التسوية النووية بالشروط القائمة اليوم ستؤدي الى ازمات وتطورات دراماتيكية اكثر سوءا من عدم توقيع هذا الاتفاق، وهذا يعود الى وجود تحالف كبير من المتضررين من هذا التفاهم يبدأ في اسرائيل، ويمر بدول الخليج وينتهي في الكونغرس الاميركي، وهذه الاطراف ستضع ثقلها، في حال اخفاقها في افشال الاتفاق، لزيادة بؤر التوتر في المنطقة لافشال تنفيذه في اطار معركة مفتوحة لتحجيم النفوذ الايراني في المنطقة، وكذلك تدفيع واشنطن «ثمن» تخليها عن حلفائها التقليديين، وهنا ستكون الابواب مشرعة امام خطوات «انتحارية» قد تصيب شظياها لبنان.

وتشرح تلك الاوساط بالقول، ان طهران وحلفاءها ليس لديهم اي مصلحة في التصعيد على الساحة اللبنانية سواء تمت التسوية النووية ام لم تحصل، فمفاعيل التفاهم مع واشنطن يطبق عمليا على الارض دون انتظار التوقيع الرسمي على بضعة اوراق لن تكون سوى اشهارا لبنود عامة وجدت تفاصيلها الطريق الى التطبيق العملي منذ بضعة اشهر، فما يحصل في العراق من تقدم ميداني بقيادة الحرس الثوري الايراني لم ينتظر التوقيع على الاتفاق النووي، وما يحصل في سوريا من مشاركة ايرانية فاعلة في الجبهات كافة ليس بحاجة الى اعلان التفاهم مع الغرب، والتطورات الدراماتيكية في اليمن تجاوزت المحادثات النووية باشواط، ودخول حزب الله الى سوريا لتعديل موازين القوى هناك لم يرتبط يوما بمفاوضات فيينا، وحزب الله سواء نجح التفاهم النووي أو فشل، تبقى الاولوية لديه استمرار الاستقرار على الساحة اللبنانية كي يتفرغ لجبهتي الجنوب والحدود الشرقية، ولذلك سيبقى متمسكا بالحوار الداخلي مع تيار المستقبل في سياق تخفيف الاحتقان السياسي والمذهبي في البلاد والذي ينعكس مباشرة على الاستقرار الامني. اذا هل يمكن لوزيرا «التيار الازرق» تقديم اجوبة مقنعة عمن سيستفيد من عمليات الاغتيال المزعومة؟ وهل تفجير الساحة اللبنانية مصلحة لحزب الله او محور المقاومة؟

الجواب بكل بساطة هو لا، ولا يمكن لهما ان يقدما اي اجابات مقنعة، ولكن جزء مما يقولانه يفيد بان السعودية لن تستمر في تغطية التفاهمات على الساحة اللبنانية والتي اتاحت لحزب الله التخفف من عبء الوضع الداخلي للتفرغ للحرب في سوريا، فهذه «المظلة» الضرورية للحفاظ على الاستقرار الهش لن تصبح ضرورية بنظر السعوديين اذا ما تم التفاهم النووي على حسابهم، اما في حال فشله فهم يريدون زيادة الضغوط على حلفاء ايران استغلالا لما يعتبرونه «نكسة» ديبلوماسية لطهران، وهذا الضخ المقصود لمعلومات امنية كان يفترض ان تبقى قيد الكتمان في حال صحتها، تعزز البعد «الترهيبي» المقصود للضغط على الطرف الاخر ووضعه منذ الان في خانة الاتهام في ساحة تلعب فيها الكثير من اجهزة الاستخبارات، وكذلك المجموعات التكفيرية المرتبطة باكثر من دولة اقليمية، ولا يحتاج الامر الا الى عملية اغتيال واحدة كي تعود الامور الى «نقطة الصفر».

اما لماذا العودة الى التهديد باستخدام الساحة اللبنانية «كصندوقة بريد»؟ فهذا يعود الى حاجة السعوديين الى ساحات جديدة لارسال الرسائل السياسية والامنية، وهذا الامر يرتبط بسلسلة من التطورات الاقليمية الميدانية والسياسية، فمصر حتى الان لم تبد استعدادها لتكون شريكا فاعلا في اي تحالف مزمع في وجه سوريا وايران، وما تزال وجهات النظر متباعدة لجهة كيفية التعامل مع الملف السوري وما تعتبره السعودية الخطر الايراني. واذا كانت الرياض قد خسرت «اوراقها» على الساحة العراقية بعد تولي الحرس الثوري الايراني ادارة العمليات العسكرية هناك، وباتت طهران قوى فاعلة في اليمن، فان القلق الان ياتي من الساحة الاردنية وسط مخاوف جدية من «تفاهم» من تحت «الطاولة» يتم التحضير له بين عمان وطهران برعاية اميركية على خلفية المواجهات المفتوحة في الجنوب السوري حيث تعيد المملكة الهاشمية حساباتها وخياراتها وفقا لاعتبارات المفاضلة بين أسوأ الخيارات، وقد جاءت زيارة وزير الخارجية الاردني المفاجئة الى طهران ضمن هذا السياق.

ووفقا للمعلومات فان الرياض توجست كثيرا من تلك الزيارة في ظل تنامي تيار سياسي فاعل داخل الاردن وفي محيط دائرة القرار لتتخلى عن تلك النظريات المعلبة المتعلقة بإدارة العلاقة مع إيران وثمة توجه نحو مزيد من الانفتاح تحت لافتة التفاهم الأمني على ترسيم حدود «اللعبة» في «الخاصرة» الشمالية الأردنية مع اقتراب وحدات الحرس الثوري الإيراني ومقاتلي حزب الله من حدود درعا القريبة من مدينة الرمثا، هذا الخبر غير السار فرض على عمان حسابات معقدة فهي لا تريد ان تهزم «جبهة النصرة»، لكنها لم تعد قادرة على توظيفها، والقيادة السورية نجحت في «خلط الاوراق» ووضعت عمان امام معادلة اقليمية جديدة واصبحت وجها لوجه مع طهران. فهل باستطاعة عمان الاستمرار بدورها السابق في ظل هذا التدهور الدراماتيكي على حدودها؟

هذا السؤال يؤرق السعوديين، وتخشى القيادة السعودية ان تكون هذه التسوية احدى تداعيات اي اتفاق نووي محتمل مع ايران، فالاردن سيتمكن حينها من الحصول على الغطاء الاميركي المطلوب لتحييد الاردن عن هذا الصراع والخروج منه باقل الاضرار الممكنة في ظل انعدام الخيارات الاردنية التي لا يقع من ضمنها اي تفكير في الدخول باشتباك سياسي او ميداني مع سوريا بوجود حزب الله وايران على حدودها. وهذا ما يضيق الخيارات السعودية.

انطلاقا من هذه المعطيات، تتصاعد مخاطر اخراج الساحة اللبنانية من «ثلاجة» الانتظار، والصراع بين واشنطن وحلفائها على ترتيب الاولويات والمصالح في المنطقة يزيد الامور تعقيدا، وثمة نصائح دبلوماسية غربية لدول الخليج بعدم الذهاب بعيدا في تحدي الادارة الاميركية من خلال «الشراكة» الضمنية مع اسرائيل لافشال التسوية النووية، فحصول التوقيع من عدمه اصبح امرا تفصيليا، طهران لا تحتاج الى اي غطاء دولي او اقليمي لترسيخ دورها ونفوذها في المنطقة، في المقابل ثمة شكوك كبيرة في قدرة حلفاء واشنطن في الحفاظ على ما تبقى لهم من نفوذ اذا ما قررت الولايات المتحدة التخلي عنهم، هذا ما حصل مع زين العابدين بن علي وحسني مبارك واللائحة تطول.. وفي لبنان يبقى الرهان على «حكمة» او قدرة فريق 14 آذار على منع استخدامه مرة جديدة في «لعبة الامم».

(الديار)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى