مقالات مختارة

تعويم الإستبدال .. مشروع الحلف المرمم والجديد في سوريا حسن شقير

 

من الشهرالأخير في السنة الماضية ، كانت بوادر الإتجاه السياسي العام ، والحركة الدبلوماسية في المنطقة ، تشي بأن هذه الآخيرة ، تمضي في عودٍ على بدء .. ولكن بمعطيات جديدة .. إعترض البعض ، وحجته في ذلك ، بأن هذا التقدير سابق لأوانه ، وأنه لا مكان له في ظل التباينات الكبرى بين ” أضداد تحالف أمريكا ” … إلا ّ أنه ، وعلى الرغم من أن هذا، ليس بعيداً عن الواقع ، إلا ّ أن الفحص لمجمل لتلك التطورات المتسارعة في المنطقة ، في كل من العراق وسوريا ، وذلك لصالح محور الممانعة والمقاومة ، قادت إلى أن المنطقة برمتها ، هي في طور العود على بدء فعلا ً ، وذلك فيما يتعلق بالمحاور الرئيسية التقليدية والمتقابلة فيها ، وذلك يعود إلى أن الميدان ، بدأ يميل مؤخراً ، بعكس ما تشتهيهه سفن أمريكا والكيان الصهيوني ، الأمر الذي فرض على أمريكا للملمة جناحي التحالف من حولها ، وهذا سرعان ما تظهّر اليوم ، من خلال تقارب الدول الخليجية مع تركيا ..وذلك كله أبرزته في مقالة ” المنطقة عودٌ على بدء .. بمعطيات جديدة ” والتي نُشرت بتاريخ 29-12-2014 .

ولكن قبل أن نسبر أغوار ما نصبو إليه في هذه العجالة ، لابد لنا أن نتوقف عند جملة من التطورات السياسية والميدانية الأخيرة ، والتي تجعل من الإضاءة على الموضوع الذي نحن بصدده ، أكثر وضوحاً :

في الجولة الأخيرة من المباحثات النووية ، الأمريكية – الإيرانية تحديداً ، برز اتجاه قوي على أن هناك صيغة ما لإتفاق نووي ما ، قد وُضعت اللمسات الأخيرة عليها ، وهي تنتظر التواقيع فقط ، وذلك بعد تهيئة الأرضية اللاصدمية لها على حلفاء أمريكا في المنطقة ، وتحديداً الخليجيين منهم .. وهذا على ما يبدو أنه يقع في جوهر الزيارة الأخيرة لجون كيري إلى السعودية ، ولقائه بنظرائه من دول مجلس التعاون الخليجي .

في جولة القتال الحالية في العراق ، وتحديداً في محافظة صلاح الدين ، والتي يبدو أن قرارها السياسي بالبدء بها ، كانت خارج التحفيز والإرادة الأمريكيين لها ، وهذا ما فسّرته تصريحات سعود الفيصل في مؤتمره الصحفي الأخير مع كيري ، بحيث عبّر عن استيائه من ” نموذج تكريت ” والذي يبعث على الهلع الخليجي من أن أمريكا ذاتها ،لم تستطع فرملة الإندفاعة الإيرانية – العراقية لتحرير هذه المحافظة…وبالتالي فإن محور الممانعة قد اتخذ قراره بتسريع العمليات داخل العراق ، وعدم الإمتثال لرغبات أمريكا والتحالف معها ، فيما أسميته سابقاً ، بدوزنة الحرب على داعش ، وهذا كله في سبيل حشر الدواعش في سوريا ، وإقامة خطوط الصد في البقعة الحدودية مع سوريا .

رافق التطورات أعلاها، حملات إعلامية كبيرة ، للإعلان عن بدء التدريب لمن سُموا بالمعارضة المعتدلة ، وأن قوافل الخبراء الأمريكيين قد حطت رحالها في كل من تركيا والسعودية وقطر للشروع بذلك …ترافق ذلك بعاصفة من التصريحات للمسؤولين العسكريين الأمريكيين ، بأن حماية هؤلاء ، ستكون متوفرة في الكيفية والزمن المناسبين ، وذلك تكرر مؤخراً على لسان منسق قوات التحالف جون ألن ، ومعه رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيوش الأمريكية ، الجنرال مارتن ديمبسي ، والذي ألمح إلى حد التدخل العسكري المباشر لأجل ذلك !!!

لعله من المفيد التذكير به ، من أن هذا الأخير – أي ديمبسي – هو صاحب الطرح الآخطر الذي اعتبرته يوماً – أنه ربما كان زلة لسان مبكرة – في أيلول الماضي، والذي أشار فيه إلى ضرورة ” تشكيل قيادة عسكرية وسياسية موحدة ” لهؤلاء المعارضين ” المعتدلين ” الجدد ..

تُشير الأدلة والمؤشرات الراهنة ، إلى أن مشروع أمريكا – والذي أقنعت به تركيا كبديلٍ عن المنطقة العازلة – يتجلى في العمل الجاد على السير بمشروع التحايل لإستبدال الدولة الوطنية في سوريا من الشمال السوري … والذي تنبه له محور الممانعة ، وذلك من خلال تشذيب خطة دي مستورا ، والإندفاعة الأخيرة للجيش السوري نحو إكمال الطوق على حلب ، والذي جن جنون تركيا بسببها ، حيث عملت ، وبشكل مباشر وغير مباشر لتعطيل ذاك الطوق عند بلدة رتيان السورية … وهذا الأمر زادنا اعتقاداً بوجود ذاك المشروع البديل ، والتعويل عليه ، والذي أشرنا إليه سابقاً

جملة أخرى من المواقف والثوابت على مقلبي المواجهة في المنطقة ، لابد من التوقف عندها ، فبعد تصريحات ألن وديمبسي ، وأخيراً جون كيري من أن ” الأسد فقد كل شرعيته … وقد يصاحب العمل السياسي ، عمل عسكري للإطاحة به ” ، سبقها إتفاق قطري – سعودي – تركي وبإشراف أمريكي ، على اقتسام عادل ” للكعكة العسكرية والسياسية ” لتلك ” المعارضة المعتدلة ” ، وتسليم سعودي – أمريكي بخروج الورقة العراقية من أيديهما ، وذلك لصالح إيران ، وهذا ما يرمز إليه تواجد الجنرال سليماني في كل معركة مفصلية من معارك تحرير العراق من الدواعش … وذلك هدفه على ما نعتقده على الدوام – وبخلاف كثر – من أن ذلك ليس من باب التنسيق والتسليم الأمريكوإيراني ، إنما من باب تثبيت معادلات إيرانية في إظهار مدى الضعف والوهن الأمريكي في قيادة الدفة العراقية من جهة ، وتسفيه الحرب المدعاة من قبل تحالف أمريكا على الدواعش من جهة أخرى ، هذا فضلاً عن قطع الطريق على هذا الأخير في سعيه لمصادرة أية انتصارات تتحقق على الأرض العراقية … مع تشديد روسي – إيراني على الدوام ، على رفض أية منطقة عازلة على الأرض السورية ، مع معطيات ميدانية متسارعة في التوجه نحو حشر الدواعش في سوريا ، والقضاء على الأحزمة المُستنزفة ( في الجبهة الجنوبية ) ، وذلك تحت العين الصهيونية ذات الأيدي المُكبّلة هذه المرة ، وذلك بعدما نسفت المقاومة قواعد الإشتباك ، وتجزئة الجبهات مع الكيان الصهيوني ….

التطور الملفت الذي كثُر الحديث عنه هذا الأسبوع ، والذي تمثل بمشروع خلع الثوب الإرهابي عن جبهة النصرة ، أو حتى عن بعضٍ من أجزائها ، وإلباسها ثوب الإعتدال ، وذلك في عملية مكشوفة لرفع القيود القانونية والأخلاقية عن دعمها العلني ، وكذا لرفد أولئك المتدربين الجدد ، بأعداد جديدة ، ذات خبرة وباع في العمل العسكري ، ومن الداخل السوري هذه المرّة … وهنا مربط الفرس على ما نعتقد ، كون ذلك سيفرض على المتحاربين في جبهات القتال ، استراتيجيات جديدة كلياً ، يسابق بعضها البعض الأخر ، ولأسباب متعددة ..

ولكن قبل التعرّض لتلك الإستراتيجيات ، والتي سيسابق بعضها البعض على الأرض السورية ، لابد من العودة إلى مجموعة من المقدمات الضروية في وجوب الإشارة إليها ، والتي من أبرزها ، ذاك التطور على الجبهة الحلبية مؤخراً ، والدخول التركي المباشر على خط منع إحكام الطوق على مدينة حلب ، ورفض الجماعات المسلحة في المدينة الإلتقاء بممثلي دي مستورا ، وذلك رفضاً لخطة تجميد القتال المُشذّبة ، والتصريحات الأخيرة للزعيم الكردي السوري ، صالح مسلّم حول عدم التعاون مع النظام السوري ، والرضى بمشروع الإدارة الذاتية ، والتي يبدو أنها – وكما اعتقدنا سابقاً – نُسجت خيوط تفاصيلها ، برعاية أمريكية ، مع كل من تركيا والإتحاد الديمقراطي السوري ، وذلك تجلى في معارك عين العرب والقرى المحيطة بها ، هذا فضلا ً عن الدخول التركي الأخير إلى سوريا ، لنقل رفات سليمان شاه ، وذلك من مناطق يسيطر عليها الكرد

إذا وبالعودة إلى هذا التطور الأخير – أي مشروع فصل النصرة عن القاعدة – فإنه وضمن مشروع الإستبدال الذي تحدثنا عنه سابقاً ، فإنه يهدف فيما يهدف إليه ، إلى جعل الطوق الذي يحاول فرضه الجيش السوري على المسلحين في مدينة حلب ، صعب التحقق من جهة ، وذلك بفعل ما جرى مؤخراً قبيل اكتماله ، هذا فضلا ً عن أن ذلك سيعني أن إرهابيي النصرة في حلب المدينة ، سُيرفع عنهم حظر الدعم العسكري واللوجستي المباشر من قبل دول تحالف العدوان على سوريا ، وفي مقدمة هؤلاء تركيا وقطر والمملكة العربية السعودية ، وذلك في تبرير سيسوقه هؤلاء بأن هذا الفعل ، هو من باب الندية لما تقوم به إيران والمقاومة لصالح الجيش السوري والدولة الوطنية السورية من جهة ثانية ، وذلك سيحصل بعد تأمين الغطاء السياسي ، لهؤلاء الإرهابيين ، ذوو السجلات المبيّضة حديثاً ، وذلك من قبل ما تُسمى بالحكومة المؤقتة والمقتسمة الحصص بين هذه الدول الثلاث

إذاً ، بماذا يمكن أن يفكر هؤلاء ؟ فهل هي خطة لتعويم الإستبدال الموؤود للدويلة السورية من الشمال ؟ وهل أصبح مكشوفاً ومفضوحاً اليوم السبب الفعلي لرفض المجاميع المسلّحة في مدينة حلب لخطة دي مستورا ، وذلك ربما لأنها لم تصدر عن الكيان السياسي لهؤلاء ؟؟؟ وهل سنشهد لاحقاً ، قبولٌ لتلك الخطة من قبل عرضٍ يطرحه الكيان السياسي لهذه المجاميع المسلّحة ؟؟؟ ولكن ضمن ظروف ميدانية جديدة ، وتحديداً بعد الإستماتة التركية على إبقاء الشريان المتبقي لحلب المدينة ، الشبه مطوقة ، مفتوحاً ، ولأهدافٍ متعددة ؟؟؟؟

تساؤلاتٌ أخرى ، لابد من طرحها وبيانها : هل مشروع خلع الأثواب الإرهابية يقتصر فقط على الإسناد لأولئك الإرهابيين في الشمال السوري فقط ؟؟؟؟ أم أن المنطق يقود إلى أن ذلك سيشمل تواجدهم في الجنوب والوسط ، وعلى امتداد سوريا بأكملها ؟؟؟ وهل أن ذلك سببه ذاك الهلع الذي أصاب أمريكا وتحالفها ، نظراً للإستراتيجية المضادة التي تتبعها إيران ومعها محور الممانعة في كل من العراق وسوريا ولبنان وصولا ً إلى اليمن ؟؟؟ وهل أن هذا الخلع ، يأتي في سبيل كشف الخطة ب لدى دول التحالف في المنطقة ؟؟؟

يمكن لنا بعد كل هذا الذي استعرضناه ، أن نستخلص بأن المعركة في سوريا ستشتد أكثر فأكثر … العين مجدداً على حلب المدينة والمسلحين داخلها وحولها بعد تبديل ثوبهم ، وربما إلى إدلب أو غيرها من مراكز المدن … هذا في الميدان ، أما في السياسة ، فالعين لابد لها أن ترصد كيفية تعاطي القمة العربية العتيدة في مصر مع الكيان السياسي لما يُسمى بالإئتلاف الوطني السوري ، وذلك ليبنى على الشيء مقتضاه ..

ربما سنشهد في القادم من الأيام في سوريا ، اعتماداً مركزياً لدى محور الممانعة فيها ، إلى السير باستراتيجيات ” فتح الكماشة إلى أوسع مدى ” ، وذلك في الميدانين العسكري والسياسي على حد سواء … لتشكل أحد فرعيها – أي هذه الكماشة – طارداً نحو الحدود السورية في الميدان ، وضاغطاً ، بفرعها الأخر نحو القلب في المدن.. وذلك لتعطيل وإفشال الإسناد … أما في السياسة ، فربما يتمثل ذلك في الداخل والخارج ، في احتضان أي مشروعٍ وطرحٍ سياسي ، لا يتعارض مع وحدة سوريا الدولة ، ونهجها ووجهها المقاوم في المنطقة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى