مقالات مختارة

الحرب الثانية ! ثريا عاصي

 

إن هبـّة الفرنسيين ردا على الإعتداء الذي استهدف في باريس مكاتب صحيفة أسبوعية دفاعا عن نظام الجمهورية في بلادهم وجوهرته «الحرية»، تستحق التقدير والاحترام، كونها تبطن عراقة وطنية إلى جانب دروس وعبر تدعونا إلى أن نمعن النظر فيها. فقد يساعدنا ذلك على فهم ما يجري في بلادنا منذ أربع سنوات فضلا عن إستقراء الأحداث وصولا إلى استبيان الإتجاهات المحتملة مستقبلا، التي يمكن أن يأخذنا نحوها الجرف الذي يحملنا؟

في جبل محسن 9.1.2015، طرابلس ـ لبنان، إنتحاريان يفجران قنابل بحوزتهما في مقهى. جاء في بيان الذين تبنوا العملية الانتحارية، ما يسمى جبهة النصرة، أنهم دبّروا الأخيرة انتقاما «لأهل السنة في سوريا ولبنان». أنا لا أعرف نسبة اللبنانيين الذين يقبلون أن يتميزوا من غيرهم في 2015، بما هم «من أهل السنة»، يستتبع ذلك انه لا علم لنا عن رد فعل «أهل السنة» تجاه الجريمة التي ارتكبها من يدّعون أنهم يقاتلون حماية ونصرة لهم. هل سيتظاهرون؟!.

أصدرت «القاعدة» في اليمن بيانا مماثلا تزعم فيه أن العملية الإرهابية في باريس، إنما الغاية منها هي الإنتقام لنبي المسلمين، بسبب «الرسوم المسيئة» التي نشرت لعشر سنوات خلت، في الصحيفة الفرنسية الهجّائية. نبي المسلمين لا تسيء إليه الرسوم! الاّ في فهم الجهلة والماكرين..

إرتفعت أصوات كثيرة في أوساط المهاجرين من أصول عربية، إدانة للاعتداء على الصحيفة الفرنسية، وتنديدا في الوقت نفسه بمبادرة بعض «الوجهاء» من أصدقاء السلطة الحالية، إلى دعوة «المسلمين» للانضمام بصفتهم مسلمين، إلى التظاهرة ضد الإرهاب، ليدللوا بذلك على أنه «ليس كل مسلم ارهابيا»! تضمنت خطة الارهابيين أيضا الإعتداء على متجر «يهودي»!

ما يثير القلق حقيقة هو الصدى العالمي لهذه الجريمة. كل يوم يطلع علينا أبطال الثورة المعتوهة في سوريا، بشريط مصور عن تنفيذ حكم الاعدام في آن واحد، على صفٍ من الأشخاص، أو عن بتر يد أو جلد متهم بأنه مدخن أو عن رجم إمرأة!. إلى حد ان الناس بحسب اعتقادي اعتادوا على رؤية الانسان المتوحش.

من البديهي أنه من الصعب في هذا السياق، تفسير اختلاف الموقف الفرنسي، على وجه الخصوص، والغربي بصورة عامة، حيال الجريمة عندما تضرب في سوريا من ناحية، وعندما تضرب في باريس أو لندن.. أو سفارة غربية من ناحية ثانية!.

غرابة المواقف بحسب المكان والضحية، تتفاقم. فتصل إلى حد الذهول. عندما تسمع مسؤولين فرنسيين يقولون: «أَعلن الإرهاب الإسلامي الحرب على فرنسا، على حضارتنا». تتذكر تصريحات سابقة لنفس المسؤولين عن إرسال السلاح إلى «المعارضة المعتدلة»، عن معسكرات التدريب، وعن ضرب سوريا، عن تحركاتهم المحمومة… ألا يعني هذا كله أن فرنسا وحلفاءها أعلنوا الحرب على سوريا؟!

إتهم الأميركيون في 11 أيلول 2001 جماعات القاعدة. قالوا آنذاك أن العراقيين هم الذين أرسلوا هذه الأخيرة إنتقاما من الحصار. يوجد في فرنسا اليوم مستشارون مقربون من السلطة يقولون بأن الإرهابيين الذين إعتدوا على مكاتب الصحيفة الفرنسية، تعلموا فنون الإرهاب في سوريا. ذلك يتطلب من وجهة نظرهم حربا على سوريا!. يقولون أيضا أن الوضع في ليبيا يتطلب هو أيضا، حربا ثانية.

الحرب بواسطة الإرهاب تستلزم حربا ضد الارهاب! تظاهر الناس ضد الإرهاب. أخشى ما يخشى أن يـُعدّ القادة الذين تظاهروا معهم، لحرب ثانية على سوريا!.

(الديار)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى