مقالات مختارة

مياه سوريا.. صراع التقسيم والاحتلال وسام عبد الله

 

شكلت المياه أحد فصول الحرب الدائرة في سوريا، حيث باتت المدن والطبيعة والناس تشترك وتتأثر بالحرب على أحد أهم مقومات استمرارية الحياة.

حرب المياه حربَين: الاولى داخلية مرتبطة بالمعارك بين الجيش السوري والمجموعات المسلحة، والثانية خارجية بين سوريا ودول الجوار، ويتداخل فيها العسكري بالقانون الدولي.

ولعل حالة الجفاف التي مرت بها سوريا، وتسببت بالضرر للمحاصيل الزراعية في المناطق الشمالية الشرقية، وعدم وجود إدارة مائية من قبل الحكومات السورية المتعاقبة، وتدخل تركيا لإمساك المياه داخل سدودها، بالإضافة إلى انتشار المجموعات المسلحة وعملها للسيطرة على أهم الموارد المائية، تجعل من تلك المناطق مسرحاً لمعارك ستؤثر في مستقبل سوريا وسيادتها.

تركيا و«أنهار ما وراء الحدود»

«أنهار ما وراء الحدود»… بهذه الكلمات تصف أنقرة نهرَي دجلة والفرات، وهي تعبر عن الأزمة المستمرة منذ توقيع اتفاقية سايكس ــ بيكو التقسيمية، والتي ضمنت بقاء منابع المياه بيد تركيا، ليصبح أحد عناصر الطبيعة قضية سياسية بين البلدان الثلاثة التي يمر بها نهرا دجلة والفرات، من تركيا إلى سوريا والعراق.

ويمر نهر الفرات في تفاصيل الحرب ضمن محافظتَي الرقة ودير الزور، ليصبح السد المُقام على هذا النهر بين «طرفَي كماشة «، فهناك من جهة المجموعات المسلحة، وبشكل خاص تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» ــ «داعش»، الذي يشكل تهديداً مستمراً، وحيث يبرز سيناريو كارثي يتمثل في احتمال تدمير السد أو إحداث فجوة تؤدي إلى خروجه من الخدمة، ومن جهة ثانية، هناك تركيا التي تملك القدرة على قطع المياه عن السد، ما يؤدي إلى تراجعه عن تأدية دوره في توليد الكهرباء والزراعة والري.

وتتمثل الخطورة الكبرى في تفجير السد، وهو سيناريو قد يفضي إلى مقتل حوالي مليونَي سوري في الرقة ودير الزور، بالإضافة إلى تضرر الاقتصاد والخدمات في البلاد.

ويشير مصدر ميداني لـ«السفير»، إلى أن الجماعات المسلحة تسعى للسيطرة على أهم مجاري الأنهار في سوريا في المنطقة الشرقية.

ويقول المصدر الميداني إن «الإعلام يركز على استخراج داعش للنفط وبيعه للتجار الأتراك، ولكن للمياه أهميتها أيضا، فهو يهدف للسيطرة عليها بهدف تأمين مورد مائي مستمر، خاصة في نهر الفرات الذي يتصل مع المناطق التي يسيطر عليها في العراق، كما يشكل حصارا على المنطقة الشرقية من الحسكة ودير الزور والرقة للضغط على الوحدات العسكرية والشعبية المقاتلة».

ويأخذ الصراع على المياه في الشمال السوري بعداً سياسياً، فللمشروع المائي، المسمى «مشروع جنوب شرق الأناضول»، والذي تعمل الحكومة التركية على إنشائه منذ سنوات، تأثيرات في كل المستويات الاقتصادية والاجتماعية والزراعية، سواء داخل الحدود التركية أو خارجها.

وتهدف تركيا من وراء المشروع، الذي يتألف من 22 سداً و19 محطة للطاقة الكهرومائية ستبنى على نهرَي دجلة والفرات، على الورق، إلى زيادة محصول القطن وتوفير فرص العمل، ولكن على الأرض، فتلك المناطق تقع ضمن البيئة الكردية في تركيا، وإستراتيجية الحكومة التركية من إدارة المياه هي للتحكم بمستقبل الأكراد على أرضها وخلف حدودها في سوريا، حيث تشكل معظم السدود التي ستبنى عائقاً لتنقل المجموعات المقاتلة من الأحزاب الكردية، كما أنها تعمل، عبر قطع وإغلاق السدود التي تغذي مجرى نهر الفرات، على حرمان التجمعات السكانية في المناطق التي يمر بها في سوريا من المياه، وبالتالي، فإن سكان هذه المناطق قد يجدون انفسهم مضطرين للنزوح نحو المناطق الغربية أو الدخول في صراع مسلح للحصول على الماء.

الأطماع الإسرائيلية

ومن الشمال السوري إلى جنوبه، وتحديداً على الحدود مع فلسطين المحتلة، فإن الصراع على المياه لم يتوقف منذ تأسيس إسرائيل، ومطامعها الدائمة بالحصول عليها بشكل كامل.

وعين الاحتلال الإسرائيلي ليست فقط على المناطق العسكرية لتنفيذ الغارات عليها، بل أيضا على منابع المياه في جبل الشيخ ومحافظة القنيطرة.

وسمح اقتتال الجماعات المسلحة والجيش السوري من جهة، واقتتال تلك الجماعات في ما بينها من جهة ثانية، بفتح ثغرة سمحت للاحتلال الإسرائيلي بالحصول على طريق إلى تلك الينابيع التي تشكل هدفاً له منذ حرب العام 1967.

وتشكل هضبة الجولان المحتلة، التي تصل بين سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، موقعاً جغرافياً مهما للمجموعات المسلحة للدخول إلى لبنان عن طريق بلدة شبعا، وإلى سوريا نحو القنيطرة ودمشق، والأردن لتأمين الإمداد بالسلاح وأخيرا نحو المستشفيات الإسرائيلية للعلاج.

ويقول مصدر ميداني لـ«السفير» إن المدفعية الإسرائيلية تقوم بتغطية نارية لتقدم الجماعات المسلحة داخل الأراضي السورية.

وتعتبر هذه الهضبة من أهم المخزونات المائية، حيث تبلغ كمية المياه المخزنة سنوياً 1.2 مليار متر مكعب.

وبحسب الدراسات، فإن إسرائيل تسرق من الأراضي السورية ما يقدر بحوالي 813 مليون متر مكعب سنوياً.

ويوضح المصدر خطورة وهدف التغطية الإسرائيلية، فيقول إن «معاركنا في درعا والقنيطرة تهدف إلى منع الاحتلال الإسرائيلي من تنفيذ خطته في استكمال احتلاله لمياهنا عن طريق الجماعات المسلحة. إن إسرائيل ترغب في السيطرة على سيول مياه الأمطار وجرها نحو أراضيها، واستكمال حفرها للآبار الارتوازية في مناطق متقدمة لتستكمل سرقتها من تحت الأرض».

ويضيف أن «ما يحدث في جنوب سوريا من معارك مع الجماعات المسلحة لا يمكن فصله عن القرار الدولي 242 بالانسحاب الإسرائيلي إلى ما قبل حدود 1967».

ومن الجولان السوري المحتل إلى جنوب شرق الأناضول، تبدو إسرائيل موجودة دائماً لسرقة المياه والأرض، فهي التي قامت بشراء أراضٍ في جنوب تركيا بواسطة شركاتها ومؤسساتها للمشاركة في استثمار المياه.

يبدو واضحاً أن الحرب على سوريا تستهدف، في جزء منها، السيطرة على الموارد الطبيعية. ويبقى بذلك الإنسان هو الضحية الأولى للصراع على الموارد.

إحصاءات

1 ــ الموارد السنوية: تقدر المياه المتأتية من الأمطار بحوالي 7.1 مليارات متر مكعب، فيما تقدر موارد المياه السطحية المتجددة الداخلية بـ 4.3 مليارات متر مكعب، والمياه الجوفية المتجددة بـ 4.8 مليارات متر مكعب.

2 ــ في سوريا سبعة أحواض هيدروغرافية رئيسية: الجزيرة، حلب، حوضا نهرَي قويق والجبول الفرعيان، البادية، والاحواض الفرعية لكل من تدمر والخناصر.

3 ــ السدود: هناك 166 سداً تبلغ سعتها التخزينية الإجمالية 19.7 مليار متر مكعب. واكبر السدود هو سد الطبقة على نهر الفرات، وهو يشكل بحيرة الأسد التي تبلغ سعتها التخزينية 14.1 مليار متر مكعب ومساحتها 674 كيلومترا مربعاً.

4 ــ المسائل الدولية:

وقَّعت الحكومة السورية مع الأردن اتفاقاً حول نهر اليرموك، وعُدِّل في العام 1987. ووقَّعت مع لبنان اتفاقية حول مياه نهر العاصي، حصة لبنان 80 مليون متر مكعب وسوريا 335 مليون متر مكعب. ووقَّعت في العام 2002 اتفاقية مع العراق بخصوص إقامة محطة ضخ على نهر الفرات.

المدن والإنسان في حرب المياه

يشكل تواجد معظم الينابيع في الأرياف تهديداً مستمراً بتحولها إلى خطوط تماس بين الجيش السوري والمجموعات المسلحة، الأمر الذي يضع المدن بشكل دائم بخطر تأمين المياه لسكانها الذين تضاعف عددهم خلال السنوات الأربع الأخيرة مع ارتفاع وتيرة الحرب وازدياد عدد النازحين.

ويمر في مدينة دمشق نهر بردى، أو كما يسمى تاريخيا «نهر الفردوس»، وهو السبب الأساس في قيام وإنشاء المدينة على ضفافه مع مياه نبع الفيجة.

ولم يعد النهر يشبه، في زمن الحرب، الفردوس كثيراً، فقبل الأزمة، كانت دمشق بدأت تعاني من حالة انحسار المياه بسبب قلة هطول الأمطار.

ويبعد نبع عين الفيجة عن دمشق حوالي 22 كيلومتراً، وهو المصدر الأساسي لمياه الشرب التي تصل إلى المنازل. ويتم تجميع المياه في خزانات تحت جبل قاسيون، قبل ضخها عبر أقنية إلى سكان المدينة.

ويقع النبع في بلدة الفيجة في وادي بردى. وتحول النبع، مع وصول المعارك إلى البلدة، إلى أسلوب ضغط من الجماعات المسلحة على الحكومة السورية لتنفيذ مطالبها، كما حدث قبل أسابيع حين هددت مجموعة مسلحة بقطع المياه عن المدينة ما لم تنفذ الحكومة طلباتها.

قطع المياه عن المدينة أمر عادي، خاصة في فصل الصيف وذلك لترشيد استهلاك الماء، لكن مع الحرب ازداد الانقطاع لمختلف الأسباب، ما دفع السكان، الذين وصل تعدادهم إلى حوالي سبعة ملايين نسمة، إلى اتخاذ إجراءات لم يعتادوا عليها للحصول على الماء.

ولجأ السكان، مع تزايد انقطاع التيار الكهربائي عن المضخات المائية المسؤولة عن إيصال المياه إلى المنازل إلى شراء الماء من الصهاريج الجوالة، وهي مياه غير صالحة للشرب بشكل عام، فيما يصل سعر صندوق المياه المعدنية إلى 600 ليرة سورية. وفي مقارنة فإن سعر فاتورة الماء على مدى شهرين تصل إلى حوالي 500 ليرة، أي أن ما يدفعه المواطن في يوم واحد يعادل سعر فاتورته الاستهلاكية على مدى شهرين، ما يعطي صورة عن حجم التكلفة المادية التي يتحملها جراء انقطاع المياه.

ولا يختلف وضع مدينة حلب عن دمشق. وتسيطر «جبهة النصرة» على محطة تحويل الزربة الكهربائية، ما يؤدي الى انقطاع الماء عند وقف تغذية محطة سليمان الحلبي المورد الأساسي لضخ المياه إلى المدينة. وقد أصبح الوقوف بالطوابير لشراء مياه الشرب من العادات اليومية للحلبيين.

وكان لسد الفرات دور رئيسي في انقطاع المياه عن المدينة، وذلك بعد قطع خط سد الفرات ــ حلب من جهة الرقة. وقام أهالي حلب بمبادرات مع مجموعات مسلحة سيطرت على منطقة الخفسة شرق المدينة، بعد قيامها بوقف ضخ المياه.

وفي إدلب، قامت مؤسسة المياه باستحداث خط مياه على طول ثلاثة كيلومترات، يتم تغذيته عن طريق حفر الآبار. وتقع منطقة تغذية إدلب بالماء في منطقة العرشاني التي يسيطر المسلحون عليها.

وتتداخل أزمة الكهرباء مع الماء في حياة المواطنين، ليصبح كل بيت في المحافظات السورية متأثرا في أسلوب حياته، الذي أصبح متلازما مع المتغيرات العسكرية والاقتصادية.

(السفير)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى