مقالات مختارة

العنوان المضمَر في الحوار: رئاسة الحكومة كلير شكر

 

قبل أسابيع معدودة من بلوغ حكومة تمام سلام عامها الأول، سيجلس «حزب الله» و»تيار المستقبل» إلى طاولة ثنائية تزيل الأسلاك الشائكة من طريقهما، والمتراكمة بفعل الخلافات العميقة، وتفتح دفتر الحسابات بينهما. عند السادسة من مساء اليوم سيلتقي وجهاً لوجه كل من نادر الحريري، نهاد المشنوق، سمير الجسر، وحسين الخليل، محمد فنيش، وحسن فضل الله.

على مائدة نهاد المشنوق، تشارك الخصمان الخبز والملح الوزاريين، فحصرا قائمة الأطباق المشتركة بما هو متصل بالقضايا الحياتية اليومية وتلك المرتبطة بالأمن تجنباً للمطبات الهوائية وحفاظاً على الحد الأدنى من التفاهم. هكذا دخل الحاج وفيق صفا إلى وزارة الداخلية وتقاسم الصورة مع نهاد المشنوق تحت عنوان خطة فكّ الحصار عن بلدة الطفيل اللبنانية.

وما عدا ذلك، بقي من المحرمات. أكثر من مئتي يوم صار عمر الشغور في رئاسة الجمهورية، فيما مجلس النواب العاطل عن العمل لا يزال مقفلاً بفعل لعبة الشروط التي يفرضها «تيار المستقبل» على رئيس المجلس. حتى لو نجح الأخير في كسر قرار الممانعة الدستورية حين أتى بالنواب الزرق إلى بيت طاعته طلباً للتمديد، إلا أنّه لم يتمكن حتى اللحظة من سوقهم من جديد إلى مقاعد التشريع.

وهكذا يصبح جدول الحوار المرتقب بين ضيوفه الستة، بعدما كان يُفترض أن يكونوا ممثلين بشخصين لا أكثر (نزولاً عند رغبة «المستقبل» في توسيع الحلقة لا سيما أنّ «حزب الله» لم يبد تحفظاً لا على المكان ولا على الشكل)، مفتوحاً على أكثر من محور. ليس صحيحاً أنّ الفريقين سيحصران نقاشاتهما ببندين فقط، بعدما تبيّن أنّ اللائحة ستطول طالما أنّ النية موجودة ولا عقبات معطلة، وطالما أنّ الرضى الإقليمي متوفر.

عملياً، يبدو أنّ الجلسات الحوارية ستتناول بشكل خاص التهدئة والتخفيف من حدة التشنج، وهي النقطة الأقل تعقيداً حيث ظهرت مفاعيلها سريعاً على الشاشة، حتى قبل جلوس المتحاورين إلى الطاولة، إذ ضبطت المنابر والحناجر من لحظة الإعلان عن نية الفريقين البدء بمشوارهما الحواري.

فيما يحتلّ بند مكافحة الإرهاب المرتبة الثانية. هو بدوره لا يواجه الكثير من العراقيل، لا سيما أنّ العالم أجمع يلتقي عند تقاطع محاربة «داعش» وأخواتها، وبالتالي لا حراجة أمام القوى اللبنانية في توحيد جهودها لمواجهة هذا الخطر الذي صار داخل الدار اللبنانية.

أما البند الثالث، فيتمثل بتفعيل المؤسسات الدستورية، من رئاسة الجمهورية إلى الحكومة وصولاً إلى مجلس النواب. هنا، سيحاول الرئيس بري استثمار هذه المحور ليسجّل مكسباً له يعيده أستاذاً على البرلمان الممدّد له، بعد أن يستعيد نبضه ودوره التشريعي المعلق.

أما في رئاسة الجمهورية، فيعرف الضيفان أنّ حوارهما لن يكفي لإنضاج الطبخة، فكلاهما بحاجة إلى شريكه المسيحي كي يستوي الاتفاق ويكون قابلاً للحياة. وبالتالي لا تجوز المبالغة في الطموحات ورسم الكثير من الآمال حول هذا الملف، حتى لو تقاطعت المقاربتان بين الخصمين.

أما الطبق غير المرئي في قائمة الطعام التي سيتناولها الفريقان المتحاوران، فهو الشراكة في السلطة، والمقصود بها رئاسة الحكومة. طبعاً لم ينسَ سعد الحريري بعد مَن قام بإخراجه من السرايا الحكومية حين كان ضيفاً على البيت الأبيض، ولن ينسى أبداً أنّ طريق العودة تمرّ حكماً بالضاحية الجنوبية.

هذا لا يعني أبداً أنّ الرجل يحاول حياكة تفاهم يعيده غداً إلى رأس السلطة التنفيذية، ولكن لا بدّ من تعبيد الطريق داخلياً وتمهيد الأجواء.. في حال ساعد المناخ الإقليمي على ذلك.

إذ وحدها التطورات الإقليمية هي التي شجّعت على هذا الالتقاء، لا سيما أنها ذاهبة في سياق انقلابي على «الربيع العربي» الذي تعرّض حتى الآن لضربات عديدة، وتتخذ منحى تفاهمياً دولياً وتحديداً بين واشنطن وطهران، على الرغم من تأجيل الاتفاق النووي، قد يظهر في العديد من البقع الإقليمية. ولذا لا بدّ من الاستعداد لما هو أبعد من ذلك…

طبعاً، منحت السعودية بركتها لهذا الحوار، كما عبّر أكثر من مرة سفيرها في بيروت علي عوض العسيري، وإلا لما تجرأ الحريري وسجّل عليه هذه القفزة. أما مصير هذا الحوار فلا يزال حتى اللحظة ضبابياً، ولا يمكن لأي من الفريقين أن يتكهّن ما إذا كان الاشتباك الإقليمي الحاصل حول سوريا، سيقفل الطريق أمامه، أمّ أنّ الرياض ستسمح بسياسة «فصل المسارين».

(السفير)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى