مقالات مختارة

سياسة الإنكار حميدي العبدالله

 

نادراً ما أشارت الحكومات الغربية، ولا سيما الإدارة الأميركية إلى أسباب فشلها وفشل سياسة الفتوحات العسكرية والاستعمارية التي سعت إلى إحيائها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

فعندما يجري الحديث عن الانسحاب من العراق، يكثر الحديث عن أنّ القوات الأميركية والقوى الحليفة لها أنجزت مهمتها، وهي إسقاط النظام الديكتاتوري متمثلاً بنظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وكأنّ الهدف الفعلي للولايات المتحدة كان القضاء على الديكتاتورية وإقامة الديمقراطية، وليس الاستيلاء على ثروات العراق، ولا سيما ثروته البترولية، وجعلها منصة لإحداث تغييرات جيوسياسية لمصلحة تثبيت الهيمنة والسيطرة الأميركية على المنطقة بما في ذلك السيطرة على إيران بعد زعزعة استقرارها وإسقاط نظامها الحالي.

وعند الحديث عن العزوف عن شنّ عدوان عسكري مباشر على سورية بمشاركة الجيوش الأميركية والغربية، ويتحدثون عن أنّ الولايات المتحدة تحجم عن القيام بذلك خوفاً من البدائل الأكثر سوءاً بالنسبة لها بالمقارنة مع ما هو قائم الآن في سورية.

وكأنّ سياسة الدعم العسكري والمالي السياسي وحشد أكثر من 130 دولة على مدى ثلاث سنوات وجلب المقاتلين الإرهابيين من 83 دولة، وسيطرة «داعش» والتنظيمات الإرهابية على مناطق واسعة في سورية والعراق، لم يكن ثمرة للسياسة الأميركية المعتمدة.

الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون، مثلها مثل العدو «الإسرائيلي» عندما فشل في عدوانه على لبنان عام 2006 وعلى غزة في حروبه واعتداءاته في أعوام 2008 و2012 و2014 برّر هذا العزوف ليس بعجزه العسكري وإنما بسبب حرصه على عدم سقوط المزيد من المدنيين، وفي سورية يزعمون أنهم لم يقدموا على عمل عسكري مباشر خوفاً من إسقاط النظام ونشوء فراغ لصالح الإرهابيين، علماً أنهم هم الذين جاؤوا بالإرهابيين، ونادراً ما اعترفوا بأنّ السبب الحقيقي أنهم يواجهون في سورية الجيش العربي السوري الذي يحظى بدعم غالبية الشعب السوري، ويواجهون حلفاء سورية في المنطقة وفي مقدمتهم المقاومة اللبنانية، ويواجهون معارضة روسيا وإيران والصين ودول «بريكس» ومجموعة «ألبا» في أميركا اللاتينية، وبالتالي فإنّ أيّ حرب عدوانية ضدّ سورية ستقود إلى تعاظم المعارضة الشعبية والدولية العدوان على سورية على عكس ما كان عليه حال عدوان الولايات المتحدة وحلفائها على العراق وأفغانستان، وكما أنّ سورية تحصل على الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي الذي يؤهّلها لصدّ العدوان وتحويله إلى حرب استنزاف مكلفة تضاف إلى كلفة حروب أميركا الفاشلة في العراق وأفغانستان مع فارق أنّ الكلفة في سورية ستكون باهظة على نحو أقوى وأكبر مما عانته الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، نظراً إلى طبيعة المقاومة وحشد القوى والدول المشاركة فيها بشكل مباشر أو غير مباشر، وهذا هو السبب الحقيقي الذي دفع إدارة أوباما للإحجام عن شنّ عدوان مباشر على سورية، وليس خوفه من فراغ سلطة تملؤه القوى المتطرفة الإرهابية.

(البناء)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى