مقالات مختارة

لهذه الأسباب أحرج «العنيد» حلفائه.. الاسد باقٍ.. وثمن الحوار اليوم اأقل كلفة؟؟ ابراهيم ناصرالدين

 

حالة «الغضب» العارمة في صفوف قوى 14 آذار على رئيس حزب الكتائب امين الجميل بعد دعوته لفتح قناة اتصال مع النظام السوري، تفسر حالة الانفصال التام عن الواقع الاقليمي والدولي المتغير الذي تعيشه هذه المجموعة اللبنانية التي تصر على المكابرة، في وقت بات الحديث عن اسقاط النظام وراء جميع القوى الفاعلة على الساحة الدولية بعد ان سلمت بالامر الواقع وباتت تبحث عن تأمين مصالحها خارج اطار اي رهان على استبدال الرئيس بشار الاسد ونظامه. فلماذا الاصرار على ابقاء لبنان بعيدا عن هذه «الواقعية» في التفكير، علما ان الحوارمع النظام السوري مفيد جدا على المستويين الامني والسياسي؟ فهل فقط الرئيس الجميل فهم تلك «المؤشرات»؟ وهل قوى 14 آذار لا تعلم بما يدور حولها؟

ليس الامر كذلك، بحسب اوساط سياسية في الثامن من آذار، فالامر لا يتعلق بمدى ادراك الرئيس الجميل بهذه التحولات من عدمه، وليس الامر مرتبطا بالبحث عن خلفية وتوقيت كلامه، وعما اذا كان نجله سامي «غاضبا» او راض، وليس مهما الانتظار لمعرفة قدرة الجميل على المضي قدما بهذا التحول «المحرج» لحلفائه، أوالبحث عما اذا كان استراتيجيا او ظرفيا، أوكونه مرتبطا بالاستحقاق الرئاسي في محاولة من «العنيد» لتقديم نفسه كمرشح تسوية، فالاجابة عن هذه الاسئلة لا تقدم ولا تؤخر في المشهد العام المتحول في المنطقة، لكن الثابت حتى الان ان حزب الكتائب يبقى اكثر تحررا من تيار المستقبل في الاستدارة او اقله التعامل بواقعية مع التطورات، بينما «التيار الازرق» غير قادر على التحرر من مرجعيته السياسية السعودية التي «تكابر» حتى الان وتبحث عن تقليل الخسائر في ظل المناخات الاقليمية غير المؤاتية. فما هي هذه التحولات؟ وما هي مؤشراتها؟

اوساط ديبلوماسية غربية في بيروت تشرح هذا التحول بالقول، مسألة الرهان على اسقاط النظام السوري اصبحت وراء الجميع، ومن لا يريد الاعتراف بشرعيته، بات يقر بالامر الواقع، وكل الوقائع السياسية والميدانية تشير الى هذا الامر، فالمبادرة الروسية تقوم على نظرية الحوار بين السلطات السورية والمعارضة، ما يعني الاقرار بان النظام باق على «الطاولة»، الصحف التركية تسخر يوميا من رئيس الحكومة التركية احمد داوود اوغلو بعد ان تحدث عن تغييرات اميركية استراتيجية في التعامل مع الازمة السورية، ووصفت حديثه عن اولوية اسقاط الرئيس السوري بشار الاسد بالوهم، فيما خطة المبعوث الدولي ستيفان دي مستورا لحل الأزمة في سوريا، التي تسربت بعض تفاصيلها تشير رغم تناقضاتها الى مسلمة وحيدة تفيد بان الامم المتحدة ومن يقف وراءها من دول مؤثرة في العالم وفي مقدمتها الولايات المتحدة الاميركية باتت تتعامل مع بقاء نظام الرئيس بشار الأسد كمسلمة غير قابلة لاي جدال، اقله خلال العامين المقبلين.

وتضيف تلك الاوساط، انه مهما اختلفت القراءات لمشروع دي مستورا، وبغض النظر عن نجاح تلك الخطة من عدمها، فان اصل المبادرة يقوم على ابقاء الحال على ما هو عليه، اي كل طرف يحكم المنطقة التي يسيطر عليها، والسيناريوهات المطروحة ان يبقى الأسد رئيساً في دمشق، وتشاركه المعارضة في الحكومة، وبعدها يدخل النظام في شراكة مع هذه القوى لقتال «داعش» و«جبهة النصرة» و«أحرار الشام» بصفتها تنظيمات ارهابية. وثمة سيناريو آخر يقوم على تجميد الوضع في هدنة لعامين، لكن يبقى النظام نفسه، والرئيس نفسه، وتترك المعارضة كما هي تدير مناطقها، دون اي ضمانة بان تحصل على الاسلحة، في وقت يرجح ان يستعيد النظام كامل قوته في هذه الفترة.

وتلفت تلك الاوساط الى ان هذه الخطة الاممية لا تنطلق من منطق قوة بل من منطق ضعف في ظل اعتقاد الدول الغربية بأن الجيش السوري سوف يتقدم في الأشهر القليلة المقبلة لسحق المعارضة في مدينة حلب ويفضل المسؤولون الاميركيون الذين لديهم خبرة في الشأن السوري منع الاسد من الحسم العسكري لان الامر سيكون كارثيا على المعارضة وسيعطي النظام اوراق قوة غير مسبوقة، ولذلك فان دعم الاستراتيجية الديبلوماسية للأمم المتحدة تجاه سوريا أصبحت بعيدة تماما عن فكرة تحقيق انجازات ضخمة هناك وينصب العمل على تقليل الخسائر، واختارت المنظمة الدولية الانطلاق من الأسفل إلى الأعلى بدلا من انتظار صفقة سياسية وديبلوماسية من أعلى الى أسفل، وبات دور الأمم المتحدة أكثر مرونة بحيث تنتهز الفرص للوساطة عند ظهورها بدلا من البحث عن صفقة ديبلوماسية كبيرة غير قابلة للتحقيق، وهي استراتيجية تعطي الأولوية لتخفيف النزاع عوضا عن بناء تسوية شاملة تعطي اجابة عن الأسئلة الصعبة حول مستقبل سوريا على المدى الطويل. وهذا يعني ان الاسد باق.

وليست خطة دي مستورا وحدها ما يوحي بان ثمة «طبخة» دولية لابقاء الازمة السورية مفتوحة، مع توزيع جغرافي للقوى لا يمس بوجود النظام السوري، ولكن يكرس اكثر فكرة «التقسيم الواقعي»، بحسب الاوساط، فالحرب الاميركية على «داعش» انتقلت الان الى مرحلة «تثبيت» حدود هذه الدولة اقله فوق الجغرافيا السورية، فمع مواصلة الغارات الجوية بين الحين والآخر على مناطق سيطرة «داعش» بدون إلحاق اي ضرر فعلي وحقيقي للتنظيم، رسمت قوات التحالف خطوطا حمراء للتنظيم دون المساس بحدود سيطرته الميدانية على جغرافيا تضم حوالى 206 الاف و699 كيلومترا مربعا، وما فعلته هذه القوى عمليا هو وقف زحف التنظيم باتجاه اربيل، وحالت دون حسمه لمعركة كوباني ، حفاظا على هذا «الكانتون» الكردي في سوريا. وهذا يفتح الباب على مصراعيه امام المزيد من التقسيم والتفتيت، خاصة اذا ما نجحت «جبهة النصرة» بتعزيز سيطرتها على مناطق في ريف حلب بعد طرد مجموعات «جبهة ثوار سوريا» من هناك، وكذلك السيطرة على المزيد من المناطق الحدودية السورية في منطقة الجولان. اما ما يسمى بـ «الجيش الحر» فهو يتجه الى تعزيز سيطرته على المناطق المحاذية للأردن في محافظة درعا وسيكون له حصة كبيرة من هذه «الكعكة».

طبعا لا يتعلق النقاش بمدى نجاح هذه الاستراتيجيات، وانما بنمط التفكير الدولي القائم على مسلمة بقاء النظام في سوريا، وبحسب اوساط في الثامن من آذار، شاركت في حوارات جانبية مع الكتائب، يدرك الرئيس الجميل بحكم خبرته الطويلة في التعامل مع النظام السوري ان «لعبة الوقت» كانت دائما في صالحه، فشراء المزيد من الوقت سيسمح للنظام بتثبيت مكانته، وهو يتمتع بمزايا عديدة تساعده على ذلك، اهمها تماسك الاقتصاد، وتماسك الجيش وتماسك الموقف الروسي والصيني والايراني الذي يمنع أي محاولة للمساس بإسقاط النظام من الخارج ، فضلا عن تفكك المعارضة «المعتدلة» وضعفها نتيجة ارتهانها لمصالح دول في المنطقة ساهمت خلافاتها في افقادها مصداقيتها على الارض، وفتح المجال لتنامي الجماعات الإسلامية المتطرفة مثل جبهة النصرة «وداعش».

هذه المعطيات، ليست خافية على أحد، تضيف اوساط 8 آذار، وما قاله الرئيس الجميل يعبر عن واقعية لن تتمكن الحكومة اللبنانية من الهروب منها عاجلا ام اجلا، فملف اللاجئين السوريين، وقضية الجنود المختطفين، والحرب على الارهاب، كلها ملفات شائكة لن تحل دون تنسيق يجري اليوم من تحت «الطاولة»، ولكن مع مرور الوقت، وفي ظل تنامي ثقة النظام السوري بقدراته، لن تبقى الامور على حالها وسيحتاج «عتاة» المكابرين في 14 آذار الى «سلم» للنزول عن «الشجرة»، وتبقى دعوة الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله للاستفادة من موقع الحزب في سوريا، مخرجا لائقا لـ «فتح» «ابواب» ندية للحوار، بدل الانتظار، دون ضمانات بان لا تكون الشروط السورية في المستقبل اكثر تشددا.

(الديار)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى