مقالات مختارة

القدس لي: جدعون ليفي

 

في الحقيقة أنا لا أحب القدس، أنا أكرهها. أحاول الوصول اليها بأقل قدر ممكن والخروج منها في أسرع ما يمكن. فهي مدينة قبيحة، في الجزء اليهودي منها هناك بعض الاماكن الجميلة في الأحياء القديمة، وفي الجزء الفلسطيني هناك البلدة القديمة التي هي تاريخية وجميلة. أما الباقي: فهو قُبح. قبيحة هي أحياء المستوطنين الجديدة وايضا الأحياء الفلسطينية المهملة، كذلك ايضا مركز المدينة، وحتى جمال البلدة القديمة مُحي منذ زمن – المدينة المحتلة هي دائما مدينة قبيحة.

لكن لا يجب أن تكون المدينة جميلة لكي تُحب. فتل ابيب ليست جميلة لكنها مع ذلك محبوبة. اسرائيلي علماني، ليبرالي وانساني لا يستطيع أن يحب القدس – لا يمكن حب مدينة في وضع غير اخلاقي. وقداستها ايضا لا تعني شيئا لانسان علماني، فهو ايضا لن يتقبل الاستنتاجات السياسية الخاطئة النابعة من قداستها. على هذا الاسرائيلي أن يرفض غسل الأدمغة الديني القومي فيما يتعلق بالقدس. وحتى في موضوع القدس لا يجب أن يكون هناك اجماع قومي.

هذه المسيرة بدأت في اليوم التالي لاحتلالها وازدادت مع مرور الوقت. في حينه وعندما هدأت الحرب، حيث كنت شابا، كنت ضحية لاحتفال عودة صهيون المقدسة مثل كل أبناء جيلي.انفعلت حتى البكاء لرؤية الحائط الغربي وقبر راحيل والحرم الابراهيمي، ولم نهتم بما أحاط هذه الاماكن.

بعد ذلك جاءت سنوات الرومانسية العمياء: الرحلات الليلية في البلدة القديمة، الحمص، الطالبات بالملابس المطرزة من السوق، النبيذ من كريمزيان وطاولات النحاس في كل صالون. أحببنا القدس، أحببناها لأن السفر اليها يشبه السفر الى دولة اخرى، حيث أنه في تلك الايام كان السفر قليل. شعرنا في القدس أننا في خارج البلاد، ليست مقدسة وليست يهودية. بعض الاصدقاء انتقلوا الى السكن في دير في شرقي المدينة، كنا علمانيين وحالمين، أحببنا القدس واعتقدنا أنه اذا قامت الكنيست بسن قانون، فان المدينة ستكون «موحدة الى الأبد» في غسالة الكلمات للاحتلال. وأن رئيس بلدية القدس يعتبر ليبراليا من مركز اوروبا وعضو معروف عالميا، وهو باستطاعته التغطية على جرائم الاحتلال والمستوطنات التي كان تيدي كوليك مسؤولا عنها منذ اليوم الاول للاحتلال.

جاءت الصحوة فقط بعد الانتفاضة الاولى التي ذكرت الاسرائيليين بأن الوضع لا يمكنه أن يستمر الى الأبد، ليس في الضفة ولا في قطاع غزة ولا في العاصمة الأبدية. الاحتلال رد على طريقته: التضييق أكثر.

وفي الانتفاضة الثانية وضع جدارا حول المدينة، مزق شرقها الى عدة أجزاء. الاسرائيليون العلمانيون لا يسافرون ليلا لتناول الطعام في البلدة القديمة. قداستها بقيت ملكا للمؤمنين والمتطرفين. يا للعجب: القدس الموحدة بقيت في الاجماع بطريقة ليس لها مثيل، وكأن العلمانيين لم يهجروها ولم يهجروا غربها، وكأنه لا يوجد احتلال في شرقها، بالضبط مثل قلقيلية وطولكرم، في مدينة جزء منها لا يعني شيئا مثل موديعين أو الطيبة.

ولكن من اجل قول الحقيقة عن القدس يجب أن تأتي قيادة شجاعة، لكن هذه القيادة غير موجودة. والحقيقة هي أنه لا توجد دولة في العالم تعتبرها عاصمة اسرائيل، الاحتلال قام بتدميرها، وهي مقسمة وممزقة وقداستها تخص المؤمنين فقط ولا توجد أي علاقة بينها وبين السيادة، وتقسيمها الى عاصمتين أو تحويلها الى عاصمة الدولة الواحدة هو كارثة أقل قليلا من استمرار احتلالها.

في الوقت الحالي لم يتبق سوى الابتعاد عنها قدر الامكان.

هآرتس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى