مقالات مختارة

نظرة أولية على استراتيجية ترامب للأمن القومي د.منذر سليمان

 

       بعد غياب ملحوظ عن الأضواء برز مستشار الأمن القومي هيربرت ماكماستر على منابر عدد من مراكز الأبحاث والقنوات الإعلامية، منذ مطلع الشهر الجاري، للترويج لـ “استراتيجية جديدة للأمن القومي،” من أبرز عناصرها “.. ضرورة مواجهة أميركا لروسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية؛” والتي سيعلن عنها الرئيس ترامب رسمياً يوم الإثنين، 18 كانون الأول / ديسمبر الجاري .

       وينتظر أن تحدد الإستراتيجية أبرز التهديدات العالمية التي تواجه الولايات المتحدة بـ “..الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران والإرهاب الجهادي.”

       يشار إلى أن إدارة الرئيس ترامب أعلنت مطلع العام الجاري عن انكبابها الإعداد لعناصر استراتيجية جديدة، عقيدة ترامب، بالتزامن مع بدء عمل مستشاره الجديد لشؤون الأمن القومي، ماكماستر، آذار / مارس الماضي؛ محورها التصدي لمصادر تهديد الأمن القومي الأميركي.

       اللافت هذه المرة هو تضمين ترامب وفريقه تنظيم الإخوان المسلمين إلى جانب منظمات “الإسلام المتطرف – الراديكالي،” أوضحها ماكماستر في لقاءاته بأنها “الجناح القطبي” في تنظيم الإخوان، وضرورة عدم تهيئة الظروف للعودة إلى “نموذج (الرئيس) مرسي.”

       حري بالذكر أن الإعلان الرسمي عن “وثائق” ومذكرات يرافقها حملات إعلامية محورها هو “للاستهلاك العام،” كما أثبتت التجارب المعاصرة، وأبعد ما تكون عن محطات حقيقية لسياسة خارجية تنتظر التطبيق. وما حملات التهيئة للإعلان إلا للتكامل مع قرار استصدره الكونغرس عام 1986، وصادق عليه الرئيس الأسبق رونالد ريغان، لوضع النخب السياسية والفكرية في مناخات تفكير الإدارات الجديدة ونواياها لرسم معالم سياساتها الخارجية. بل من “النادر” إعلان إدارة جديدة عن عناصر تلك الوثيقة في السنة الأولى من ولايتها الرئاسية.

       أولى محطات ماكماستر كان “منتدى ريغان للدفاع الوطني،” بالقرب من مدينة لوس انجيليس، 3 الشهر الجاري؛ مروراً بلقاء مع نظيره البريطاني مارك سيدويل، 12 ديسمبر؛ وأحدثها يوم الأربعاء، 13 الشهر الجاري، مكرراً عناصر “الإستراتيجية” مراراً بالقول أنها ستركز على حماية الأراضي الأميركية وتعزيز الرخاء والحفاظ على السلام من خلال القوة.

وأوضح أنها تتمحور حول “.. نقاط أربع: حماية المواطنين والأراضي الأميركية؛ العمل على إزدهار البلاد عبر تنمية التبادل التجاري والتوسع في الإنتاج؛ المحافظة على السلام العالمي بما يستدعي استخدام القوة لمواجهة الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية؛ ومكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط (وفق يومية وول ستريت جورنال 4 ديسمبر 2017).

       قبل الدخول في متاهات وثيقة سربت قبل الإعلان الرسمي عنها، من قبل طاقم مجلس الأمن القومي عينه، نشير الى الشكوك التي رافقتها كواجهة لإنقاذ ترامب وإدارته من هفوات ومطبات من صنع يديها.

       علقت يومية واشنطن بوست، 12 أيلول 2017، على ما رشح منها لحينئذ بالقول أن ما يتيسر يضع الإدارة أمام “خيارات ثلاث لصياغة وثيقتها: استراتيجية تقليدية؛ أو استراتيجية خاصة بترامب – أميركا أولاً؛ أو كاستراتيجية صادقة.” واستدركت بالقول أن كافة تلك الخيارات “ستأتي مخيبة للآمال .. وربما إهتدينا الى منطقة مظلمة بين (الرئيس) ترامب وماكماستر أكبر مما كنا نعتقده.”

       وحثت الصحيفة، وما تمثله من امتدادات داخل المؤسسة السياسية والعسكرية، إدارة الرئيس ترامب توخي الصدق والنزاهة “والإقرار بأنه لا يتوفر لديها استراتيجية متماسكة للأمن القومي؛” عللت نصيحتها بما أسمته “انقسامات متعددة داخل فريق السياسة الخارجية .. فمدى إنصات الرئيس لا يتعدى مقاس ذبابة وينظر لمجمل القضايا من زاوية عقد الصفقات.”

       وفي ذات السياق المتشكك من نوايا البيت الأبيض، خلصت دراسة أجراها معهد كارنيغي، 13 ايلول 2017، الى القول أن “الإستراتيجية” المزمعة غير مجدية ولن تترك أثراً يحتذى به، إذ أن المسألة الجوهرية تكمن في قدرة الإدارة على “التوفيق بين فريقين متباينين لسياستها الخارجية – التقليديين بزعامة ماكماستر، وفريق متشدد القومية يضم كبير مستشاري الرئيس وكاتب خطاباته ستيفين ميللر.”

مضامين الوثيقة

       بالنظر الى جهود الرئيس اوباما فقد أصدر “عقيدته” في نسختها الثانية بتاريخ 6 شباط /فبراير 2015 معلناً أن الهدف هو “لرسم معالم المباديء والأولويات التي ترشد استخدام القوة الأميركية ونفوذها في العالم؛” مذكراً بالدور القيادي لبلاده “94 مرة.” ما ميّز وثيقة اوباما هو الإقرار بالتحول في “دور الولايات المتحدة من المساعد والمحفز على العمل في المؤسسات الدولية الى دور يعكس الحضور القيادي داخل تلك المؤسسات وكذلك مع الدول الأخرى ..”

       ما يستدل من “عقيدة ترامب” المقبلة هو ميل الفريق المكلف بإعدادها الى القوة العسكرية، أبرزهم مستشاره للأمن القومي هيربرت ماكماستر ونائبته (دينا سكادلو) المعروفة في أوساط شؤون الأمن القومي بترجيحها استخدام “القوة العسكرية لبسط السيطرة السياسية .. العنصر الأساسي للحرب وتحقيق الإنتصار،” كما جاء في كتابها الحرب وفن الحكم، آذار 2017. ما يعزز تلك النزعة العسكرية إدراج بند يتعلق بعسكرة الفضاء الخارجي، واستطراداً الحرب الإلكترونية، ويعيد إلى الأذهان مشروع الرئيس ريغان الخيالي “حرب النجوم.”

       وفي التفاصيل أوضح “مسؤول رفيع في البيت الأبيض” عن تلك التطلعات بالقول “ما نحن بصدده هو الإشارة إلى قدراتنا المتجددة، ليس في البعد النووي أو في الفضاء الخارجي أو حتى في البعد الإستخباراتي فحسب، بل فيما يتعلق بالقدرات المعلوماتية” بشكل أشمل “وهذا يستوجب تحديث قواتنا النووية، التي يعتبرها الرئيس على رأس مهام أولوياته إلى جانب مضاعفة الإنفاق على الدفاعات الصاروخية.”

       وأضاف لنشرة فري بيكون الإلكترونية، 15 ديسمبر، أن “عدداً من عناصر الإستراتيجية تم تبنيها من خطابات الرئيس ترامب في حملته الإنتخابية .. البنود الأربعة تعكس تصريحات الرئيس ترامب العلنية لأولوية أميركا وإزدهارها وكذلك كأكبر قوة للخير في العالم.”

       بالمقارنة، تمحورت “عقيدة” الرئيس جورج بوش الإبن، 2006، حول “نشر الديموقراطي حول العالم،” مما يستدعي سياسة إنفتاحية؛ بينما تضمنت “عقيدة أوباما” نصوصاً صريحة حول مخاطر التغير المناخي؛ أما ما يُستدل من “عقيدة ترامب” فهو الإقلاع التام عن تلك الأهداف والدفع باتجاه التحرك المنفرد للولايات المتحدة غير عابئة بالعزلة الدولية التي ترافقها، كما دلت عليه البنود الأساسية الآربعة سالفة الذكر.

       ترويج مستشار الأمن القومي للوثيقة لم يلق استحساناً من بعض ركائز النخب الفكرية والسياسية. ووصفت اسبوعية ذي أتلانتيك قوة الدفع للإدارة الأميركية بأنها على تضاد مع القيم السابقة للرئيسين جورج بوش الإبن وباراك اوباما. عقيدة ترامب، وفق النشرة، تعتبر توفير الإزدهار للشعب الأميركي ظاهرة “ينبغي حمايتها وليس توسيع نطاقها؛ السوق الإقتصادية الدولية هي منافس وليس شريك” محتمل لتحقيق الأهداف المنصوص عليها (12 ديسمبر).

       الأستاذ الجامعي المرموق ستيفن وولت إعتبر الوثيقة تمريناً ذهنياً للنخب الفكرية ولا يعوّل كثيراً عليها “نحن معشر الأكاديميين نرحب بتلك الوثائق كونها توفر لنا الفرصة لتصويب مهاراتنا الفكرية ضد هدف ثابت.” وأوضح أن صياغة الوثيقة عادة ما توكل لفريق من النخب أو الكتبة المتعاقدين، بينما دور الرئيس في صياغتها قليل إلى معدوم. بيد أن ذلك لا ينفي القيمة المتضمنة لآلية التفكير وصنع القرار السياسي والأهداف العليا.

       بالعودة إلى “المسؤول الرفيع في البيت الأبيض” علق على دور الرئيس بأنه “منخرط بشدة لإقرار الإستراتيجية، وهو أمر غير معتاد لوضعها حيز التنفيذ في السنة الأولى للولاية الرئاسية.”

المستشار البريطاني سيدويل أكد في كلمته بصحبة ماكماستر، 12 ديسمبر، على الدور الريادي للولايات المتحدة التي “.. ستبقى زعيمة العالم الذي لا غنى عنه؛ وستستمر تلك المعادلة، إنني واثق، على امتداد القرن الحادي والعشرين.”

       العلاقة التي تربط الرئيس بمستشاره لشؤون الأمن القومي قضية بالغة الأهمية، إذ يجد المرء اعتماداً مفرطاً لبعض الرؤساء على مجلس الأمن القومي، كالرئيس ريتشارد نيكسون، بينما وضعه آخرون على الرف كالرئيس هاري ترومان. أما في حال الرئيس دونالد ترامب، فاختياره لماكماستر لم يكن برغبة ذاتية بل جاء على خلفية “استقالة” مستشاره السابق مايكل فلين. ترامب يولي أهمية أكبر لوزارة الدفاع ويصغي لوجهة نظرها فيما يتعلق بالخيارات الإستراتيجية، واستطرادا فإن ماكماستر الآتي من صفوف القيادات العسكرية المتمرسة يحظى برعاية وتأييد الرئيس.

       الإستراتيجية المسرّبة حملت عناوين عريضة لإرضاء الكونغرس بمجلسيه، بشكل أولي، ورقعة إمتداد نفوذه على النخب الفكرية والإعلامية على السواء.

       العداء لروسيا والصين كان من أبرز العناوين واللتين اعتبرهما ماكماستر “تقوضان الأوضاع العالمية السياسية والاقتصادية والأمنية، لما بعد الحرب العالمية الثانية، على حساب مصالح الولايات المتحدة وحلفائها.”

أما روسيا، بشكل خاص، فاعتبرها “تشكل تهديداً للولايات المتحدة بتطويرها جيل جديد” من الأسلحة ؛ الأمر الذي أعتبر بأنه إشارة للمزاعم بالتدخل الروسي في الانتخابات الأميركية.

واستدرك لاحقا لطلب مساعدة كلا من الصين وروسيا “.. لقطع الطريق على إيران وتأييد الجهزد العالمية للحد من انتشار الأسلحة النووية.”

       إيران وكوريا الشمالية، وفق تعريف مستشار الأمن القومي، تمضيان قدماً في “انتهاك سيادة جيرانهما، والسعي الدؤوب لامتلاك أسلحة الدمار الشامل وتصديرها لدول أخرى.”

       كما أتى ماكماستر على تجديد التعهد الأميركي “بمحاربة الإرهاب،” مستثنيا السعودية التي “دعمت بعض المجموعات المتطرفة في السابق (لكنها) التزمت بمحاربتها كما شهدنا في تأسيسها لمركز مكافحة الإرهاب في الرياض، وافتتاحه بحضور الرئيس ترامب.”

       أما “الارهاب” فيمثله “الفكر المتطرف .. ويسعى لمد جسور بين منطلقاته المتشددة والإسلام السياسي.”

       وربما هي المرة الأولى في الخطاب السياسي الأميركي الذي يذكر “تنظيم الإخوان المسلمين” بالإسم مناشدا بعدم “العودة (لدعم) نموذج مرسي.” وفي التفصيل خص ماكماستر “الجناح القطبي،” نسبة إلى سيد قطب، الذي أضحى “يهدد شركاء اساسيين لنا مثل مصر والأردن، وينشط بحرية في سوريا.”

       هل يستدل المرء على “انعطافة” في الموقف الأميركي من “الإسلام السياسي؟” ربما، لكن الثابت أن واشنطن “استفادت من دروس الماضي القريب” بعد مراهنات جدية على تسيّد وتوكيل تنظيم الإخوان في الإقليم، وما رافقه من انتكاسات وخسائر في الساحة السورية الأبرز، ودخول القوات الأميركية مباشرة أرض المعركة عوضاً عن وكلائها في التنظيمات والمجموعات المسلحة.

       إشارة ماكماستر “للمجموعات الجهادية” تدل على تبديل واشنطن لبعض أساليبها دون التخلي عن الوظيفة المرسومة أو لرعايتها التنظيمات التقليدية، كما هو الأمر مع ما صدر من تصريحات أميركية متضاربة حول دور قطر في المعادلة الجهادية؛ وتحديث مسميات جديدة لقوى تستطيع أن تخلف التشكيلات المتعددة من “داعش” ومشتقاتها، وتشغيلها في صراع يتضمن الأراضي الروسية والصينية، حينما تنضج الظروف لذلك.

       كذلك لا يجوز إغفال حقيقة أن ميزانية الدفاع الجديدة تبلغ نحو 700 مليار دولار تستمر برصد مبالغ مماثلة لسابقاتها للعمليات الخارجية، وتقدر بنحو 66 مليار دولار، وتشمل تخصيص 500 مليون دولار لتدريب وتجهيز ما تصفه بالمعارضة السورية “المعتدلة” والحليفة لواشنطن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى