بقلم ناصر قنديل

إفادتي في وجه إفادة مروان حمادة/1

nasser

يعرف أي رجل قانون أن لا قيمة لشهادة مروان حمادة أمام المحكمة الدولية تستحق الضجة المفتعلة والمبرمجة التي سبقتها ورافقتها، لتجعلها موازية لكشف الحقيقة، فلا أدلة يملكها الرجل وقد أخفاها عشر سنوات عن التحقيق وجاء يدلي بها الآن، ولا معلومات ذات قيمة سياسية بقيت مخفية وتقال اليوم، وهي حبيسة جعبة مروان حمادة، هو تحليل سياسي بوليسي قرأناه في اليوم الثاني للاغتيال، في جريدة «السياسة» الكويتية التي لقن من أعطاها التحليل المدروس، نصف ما قاله للشاهد الملك محمد زهير الصديق الذي لم يعد موجوداً في ملفات المحكمة، ودأب مروان حمادة على ترداد النصف الثاني طيلة السنوات العشر تقريباً، ومعه جوقة سياسية إعلامية تضمه وفارس خشان ومجموعة الإعلاميين الوافدين من جسم «القوات اللبنانية» إلى ضفة التفجع والحرص على دماء الرئيس رفيق الحريري، بصفة محللين سياسيين وقضائيين وباحثين ومصادر متابعة، وسواها من الصفات التي يوزعها أهل الفضائيات على الذين تأتي «التعليمة» بمنحهم الهواء، وهم بلا صفة.

محور شهادة حمادة في السياسة، القرار 1559، والعلاقة التي ربطت الرئيس رفيق الحريري بسورية، وما يرويه عن خطة الرئيس الحريري لاجتياح برلمان العام 2005 بوجه سورية، تمهيداً لإعلان ما يحب حمادة بتسميته بالاستقلال، وما يقول إن الحريري أبلغه عنه كما أبلغه عن تهديد تعرض له من الرئيس السوري بشار الأسد، ما يعني أن كل «وقائع حمادة» تعود لصيف العام 2004 قبيل التمديد للرئيس إميل لحود، الحدث الذي يرتبط بالقرار 1559 بحسب حمادة، والحريري بينهما، وما يعتبره حمادة كسر الجرة بين الحريري وسورية وصولاً لاتهامها بالاغتيال.

شهود حمادة ليس بينهم من هو متاح للتحقيق، لا الرئيس بشار الأسد شاهد يجرؤ حمادة على القول اسألوه فهو سيؤكد كلامي، والحريري في ذمة الله، ولا جواب عند حمادة، على سؤال، كيف يمكن أن يكون الرئيس الحريري ينوي مكاسرة سورية انتخابياً، وهذا يستدعي وجود شرطين، أولهما نية المواجهة والخصومة والثاني إرادة المكاسرة، وإذا كان أحد لا يستطيع في السياسة التحدث عن نوايا القلوب وما من أحد يشق على قلب ليتحقق من إيمان صاحبه بالله، فكيف بنواياه، ليكون الفصل هو إرادة المكاسرة كحصيلة لتفاعل عوامل النية والحسابات والموازين، والربح والخسارة، وأمامنا ما يدلي به حمادة كمستند حاسم في إفادته وهو تصرف الرئيس الحريري مع التمديد، حيث يشكل سير الحريري بالتمديد عينة عن تصرفه تجاه ما تريده سورية، سواء قبلنا رواية حمادة للسبب أم لم نقبلها، فكيف يمكن لمن يصوره كجبان أرعبه ما يصفه حمادة بالتهديد السوري فقبل وسار صاغراً، كيف لمن فعل هذا أن يعود ليخطط لمعركة كسر عظم مع سورية، وقد كان بين يديه لرفض التمديد قرار دولي يحتمي به ودعوة مفتوحة من الرئيس الفرنسي جاك شيراك للمجيء إلى فرنسا ورفض التمديد من هناك، وهو سافر وعاد إلى لبنان للسير بالتمديد، ورفض الدعوة الرئاسية الفرنسية وقرر تنفيذ وعده وما تضمنه من السير بالتمديد.

في رواية الرئيس الحريري لسيره بالتمديد التي قالها رداً على أعضاء في الكتلة النيابية التي كنت عضواً فيها، وهي أقرب للتصديق من رواية حمادة، وأدعياء كثر عن وجود خطة لديه، اسمها الاستقلال عن سورية وليس معها، والخطة في الواقع هي لرجال الاستخبارات الفرنسية والأميركية الذين احتشدوا يلبسون الحريري بعد مقتله الثوب الذي يريد مشغلوهم أن يصوغوه له بعناية الانتماء إليه، ففي ذلك الاجتماع الشهير للكتلة النيابية، قال الحريري للنواب سنذهب غداً ونصوت مع التمديد للرئيس لحود، وأنا اقترحت القانون في مجلس الوزراء، ولما خرج بين النواب من يطلب السماح له بعدم التصويت، أجاب فقط النائبان غطاس خوري وغازي العريضي مسموح لهما بذلك، فغطاس أنا ساندته كمرشح رئاسي، ومنطقي ألا أطلب منه التصويت مع التمديد، ورتبنا له موعداً مع الرئيس الأسد على هذا الأساس والتفت نحوي متبسماً، والعريضي عضو مشترك في كتلتنا وكتلة النائب وليد جنبلاط، وله الحق بالتصويت ضد، أما الباقي فلن أقبل منه اجتهاداً، لأن رفيق الحريري لا يخادع، وأنا لم ألتزم لأحد بتصويت كامل أعضاء كتلتي، لكنني إما أن أقرر السير فنذهب جميعاً أو أرفض فنرفض جميعاً، وقد أعطيت كلمتي بالموافقة، وذهبت من تلقاء نفسي بتقديم الاقتراح لأنها طريقتي في تنفيذ الوعود.

عن الأسباب، قال أحد النواب إنه يتمنى لو يفعل الرئيس الحريري ما يفعله النائب وليد جنبلاط تحت شعار ترك الحرية للنواب، فينقسم النواب قسمين، مؤيد ومعارض، خصوصاً أن البعض قد رفع سقف كلامه ضد التمديد ما يسبب له إحراجاً في حال التصويت مع، وأضاف البعض أنه لا يستطيع أن يصوت مع التمديد بعد كل الحجج التي قالها لتبرير رفض التمديد، وتمركز الخطاب على معادلة ماذا نقول للناس، فكان رد الرئيس الحريري مطولاً ومفسراً وشارحاً وأنهى بقرار حاسم واضح معلل.

قال الحريري، من يتخيل أنني عارضت التمديد للرئيس لحود من موقع نية الاشتباك مع سورية واهم، ومن يفرح بصدور القرار 1559 ساذج وسطحي، كانت نصيحتي للرئيس شيراك أن يذهبوا للحديث عن تطبيق اتفاق الطائف إذا كان لا بد من قرار دولي حول لبنان يتحدث عن خروج القوات السورية وسحب سلاح الميليشيات، فالطائف يتحدث عنهما بوضوح لكنه يضع خريطة طريق توافقية لتحقيق ذلك، أما القرار 1559 فقد قسم اللبنانيين، بعدما كان الطائف يوحدهم، وأزم العلاقات اللبنانية السورية ودوّلها بعدما كانت معرّبة. وتابع الحريري، أما عن التمديد، أنا لم أقبل مكرهاً ولست ممن يقبلون بموقف بلا منطق ولا من يرفضون بلا منطق، ومن يتحدث عن رفضه للتمديد، فأنا من اخترع المعركة ضد التمديد والباقي سار خلفي، وإن كان هناك من يحسب حساب الناس فهو أنا، ومن يظن نفسه زعيماً سيسأل عن نفسه وليس عن موقفه معي وسبب موقفي وتبدله، فليخض الانتخابات المقبلة خارج لائحتي، ومن يريد أن يكون على لائحة رفيق الحريري الانتخابية يجب عليه أن يعترف أنه بقوة زعامته يسأله الناس عن موقف رفيق الحريري.

تابع الحريري، أنا عندما خضت غمار الحل السياسي للأزمة في لبنان عبر اتفاق الطائف لم أكن أمارس هواية، بل خضت غمار معادلة معقدة وصعبة، كان منطلقي فيها، أن لبنان الدولة المستقلة التي تحكمها المؤسسات فقط هو حلم مؤجل، ولا يتحقق هذا الحلم ولبنان في قلب الصراع العربي – «الإسرائيلي»، وأقولها بصراحة، من دون تحقيق السلام لبنان بين خيارين عنوانهما الانتظار، فإما أن ينتظر في الملجأ، وهذه هي الحرب الأهلية والملجأ «إسرائيلي»، أو أن ينتظر في الصالون والصالون المتاح سوري فقط، ولا وهم لدي في أنه «سويسري»، الصالون السوري يحتاج برأيي لترميم وتعديل وتغيير الكثير، لذلك أعترض كلما رأيت هناك خللاً ما، لكن عندما تصل الأمور إلى الاختيار بين البقاء في هذا الصالون أو الخروج منه، قراري هو بقاء لبنان في الصالون السوري، وليس أخذ لبنان مجدداً إلى الملجأ، وأكرر الملجأ «إسرائيلي». خطتي كانت ولا تزال السعي لتحسين شروط الصالون السوري للانتظار اللبناني وهو سعي لن يتوقف، لكن برضا السوريين وليس بكسر إرادتهم. تذكروا جيداً رفيق الحريري لا يمزح في الأساسيات، عندما تكسر سورية في لبنان تربح «إسرائيل» وليس لبنان، حاولنا أن نثني الإخوة في سورية عن خيار التمديد وقدمنا لهم أسبابنا وخيارات بديلة، ولما تبلغنا أنهم حزموا الأمر للسير بالتمديد انتهى الأمر عندي، فمن يعجبه تفكيري وتصرفي فليسر معي ومن لا يعجبه فليخرج الآن، أما غداً فلن أقبل عذراً ولا غياباً، وأنا لم أتعهد بتصويت معين ولا برقم معين وأعلم أن النتيجة الإيجابية تتحقق لصالح التمديد بنصف أصوات الكتلة، لكنها فرصة لأقول عندما يلتزم رفيق الحريري كيف يجسد التزامه وأن أقول لكم من يريد أن يكون معي كيف عليه أن يحسب حساباته.

غداً ماذا قال لي الرئيس الحريري عن جنبلاط وشيراك بعد التمديد؟

كلامي هذا كله مدون في يوم 30-8-2005 في محاضر لجنة التحقيق الدولية، التي أعلنتني المشتبه به الخامس في وقفة لا يرف فيها جفن الرئيس فؤاد السنيورة مع ديتليف ميليس، خلافاً لكل عرف وقانون. ويومها عدت من دمشق متحدياً ووقفت على المصنع في مؤتمر صحافي أقول «إن العروبة هي التي تحاكم»، ويبدو أن المحاكمة لا تزال مستمرة.

(البناء)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى