الصحافة البريطانية

من الصحافة البريطانية

تابعت الصحف البريطانية الصادرة اليوم الموضوع الافغاني فنقلت صحيفة “الفاينانشال تايمز” عن الكاتب إدوارد لوس، قوله “إنّ ما بدأ كعملية للقضاء على القاعدة، انتهى بعد عقدين من الزمن، مع عودة داعميها الأفغان إلى السلطة“.

وأشار الكاتب في مقاله إلى أنه “من الإيجابي الاعتقاد بأن السياسة الأمريكية ستتعلم من هذه الكارثة، إلا أن القصة لم تنته بعد. وعلى الرغم من انسحاب الولايات المتحدة من هذه الحرب الأبدية، إلا أن الحرب ستستمر”.

ويعتقد الكاتب أن الولايات المتحدة سوف تستمر في رؤية العالم بلونين فقط، الأبيض والأسود، منذ هجمات 11 سبتمبر قبل 20 عاما، وتصنف العالم إما معها أو ضدها.

ولفت إلى أنه بعد الهجمات، اختار كل حزب أمريكي دولة واحدة كهدف له “لبناء دولة”. اختار الجمهوريون العراق، واختار الديمقراطيون أفغانستان.

تناول الكاتب البريطاني المعروف ديفيد هيرست، انتصار حركة طالبان في أفغانستان، وأثره عالميا، لا سيما على النفوذ الغربي عالميا.

وتساءل في المقال الذي كتبه في موقع “ميدل إيست آي” البريطاني: “هل انتصار طالبان يدل على بداية النهاية للإمبراطورية الغربية؟“.

حساب تكلفة التدخل الغربي في أفغانستان بعدد الأرواح العسكرية الأمريكية والبريطانية التي أزهقت هو الدليل القاطع على أننا حضارة تتآكل

عندما غزت الولايات المتحدة أفغانستان في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2001، خرجت مجلة “تايم” بعنوان على غلافها يقول “الأيام الأخيرة في حياة الطالبان”.

وعندها بدأ ما غدا يعرف باسم “الحرب على الإرهاب”، والمتمثل بسعي المحافظين الجدد لاستبدال الاتحاد السوفييتي البائد بالإسلام كتهديد عالمي. وبحلول كانون الأول/ ديسمبر من ذلك العام، شكل مجلس الأمن الدولي قوة مساندة للأمن الدولي “إيساف” للإشراف على العمليات وتدريب قوات الأمن الوطنية الأفغانية.

منذ ذلك الحين تم إنفاق تريليوني دولار، وفقد ما يقرب من 241 ألف شخص حياتهم في منطقة الحرب داخل أفغانستان والباكستان، وقتل 2448 جنديا أمريكيا إضافة إلى 454 جنديا بريطانيا. وبعد عشرين عاماً عادت حركة طالبان لتفرض سيطرتها من جديد.

بحلول عام 2001 كان الأفيون قد أبيد تماماً تقريباً وكانت مساحة الأرض المزروعة به 84 ألف هكتار. ما لبث هذا الحجم أن ارتفع بحلول عام 2017 إلى 328 ألف هكتار. يعتبر الأفيون أكبر نشاط اقتصادي في البلاد بعد الحرب. وكان أحد أكبر أهداف الحرب الأمريكية هو تدريب وتأهيل جيش أفغاني لمحاربة طالبان. إلا أن الإصابات والهروب من الخدمة ألجأا الأمريكان لأن يجدوا أنفسهم مضطرين لتدريب ما لا يزيد على ثلث القوة الإجمالية.

ثم هناك الفساد، الذي جاءت أفغانستان فيه في المرتبة الـ165 من أصل 180 بلداً تخضع للرصد من قبل منظمة الشفافية الدولية، وقد ابتلع مليارات الدولارات من المساعدات الاقتصادية، حيث تقام مستشفيات بلا مرضى ومدارس بلا تلاميذ، وحيث يتفشى الفقر، ولا تزال معدلات الوفاة من بين الأعلى في العالم.

إذن فالزعم، كما ذكرت مؤسسة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في شرح للأحداث على موقعها الأسبوع الماضي أنه خلال عشرين عاماً من الاحتلال “أشرفت الولايات المتحدة وحلفاؤها على إجراء انتخابات وعلى بناء قوات الأمن الأفغانية، إلا أن طالبان استمروا في شن الهجمات” لا يقبله العقل ويتعارض مع الحقائق الأساسية.

إلا أن عالم الخيال الذي ما زالت الليبرالية الغربية تشتغل فيه في غرب آسيا والشرق الأوسط ما زال مرشداً إذ يخبرنا الكثير عن نفسية الإمبراطورية التي أفل نجمها.

إنها تعيش حالة من الإنكار، ليس على الأقل في ما يتعلق بدورها في هذه الكارثة.

دافيد بيترايس، القائد الأعلى السابق للقوات الأمريكية في أفغانستان، والجنرال السير نيك كارتر، رئيس أركان الجيش البريطاني، وكل جنرال أمريكي وبريطاني خدم هناك، كلهم يحملون على عواتقهم عبئاً ثقيلاً من المسؤولية عن حرب لم يكن الشعب الأفغاني نفسه قادراً على استمرارها ولم يكن يرغب في ذلك أصلاً.

لم يجد أي منهم ما يستدعي تحمل المسؤولية عن هذه الكارثة والاعتذار للشعب الأفغاني، وهم بعيدون جداً عن أن يقوموا بذلك. يتحدث بيترايس عن الغدر السياسي وكأنما عقد آخر من قيادته كان كفيلاً بحل المشكلة. لا أحد يعترف.

لم تكن حميدة تلك القوة الجوية التي حافظت على الوجود الأجنبي، ولم تسهم بتحسين وضع المرأة وحفظ حقوقها، بل كانت آلة للقتل.

ما بين عام 2017 وعام 2019، خفف البنتاغون من قواعده للاشتباك بشأن الضربات الجوية، وبالتالي فقد ارتفعت بشكل هائل أعداد الضحايا من المدنيين. في عام 2019 فتكت الضربات الجوية بسبعمائة مدني أفغاني – أكثر من أي سنة منذ بدء الحرب. وكان ذلك ما فعله أيضاً سلاح الجو الأفغاني، ففي الشطر الأول من عام 2020 قتل سلاح الجو الأفغاني 86 أفغانياً وجرح 103. تضاعفت هذا المعدل خلال الأشهر الثلاثة اللاحقة، حيث قتل فيها سبعون مدنياً وجرح تسعون.

لا عجب أن يكون طياروه قد استهدفوا من قبل طالبان، الأمر الذي ساهم في انهيار المعنويات بعد انسحاب الولايات المتحدة.

لكن الإغراق في الخيال وتصور أن الجيوش الأمريكية والبريطانية كانت في أفغانستان للقيام بأمور طيبة بعيد عن الواقع تماماً، مثل القول بأن الأنظمة العميلة التي فرضتها الحكومات الغربية على البلد كانت تتمتع بشرعية شعبية. فشرعية أشرف غني، الذي انتخب رئيساً مرتين، استمرت بالضبط خمسة أسابيع – من الثامن من يوليو حينما حدد الرئيس الأمريكي جو بايدن الحادي والثلاثين من آب/  أغسطس موعداً للانسحاب وحتى الخامس عشر من نفس الشهر عندما هرب من كابول برفقة عائلته.

كانت تلك كارثة ساهم في صنعها ما لا يقل عن أربعة رؤساء أمريكيين ومن الحزبين. إذن ليس من المبالغة القول إن الهزيمة في أفغانستان ستكون لها نتائج تتجاوز حدود البلد الذي ناله الإنهاك.

لو كانت هزيمة السوفييت قبل 32 عاماً قد أذنت ببدء نهاية الإمبراطورية السوفييتية، وبالتأكيد نهاية جميع الحملات العسكرية الروسية حتى عام 2015 عندما أرسلوا قوات إلى سوريا، فإن هذه الهزيمة تؤذن ببدء نهاية الإمبراطورية الغربية، كنظام عالمي عسكري واقتصادي مهيمن.

لم يأت انهيار هذا النظام لأنه واجه أعداء في منتهى القوة، وإنما انهار بسبب العجرفة والكبر وانعدام القدرة على تحليل وفهم الناس الذين يتم احتلال أراضيهم. انهار بالضبط في تلك اللحظة التي لم يكن يقف في مواجهته قوة أخرى وعندما كان وحده يحتكر استخدام القوة الدولية.

وكما حصل مع الاتحاد السوفييتي فقد انفجر هذا النظام من الداخل. حيث فقد الإيمان بذاته وبقياداته، وفقد قادته أي حس بالمسؤولية تجاه الجمهور، يؤثرون أنفسهم بوظائف تدر عليهم أموالاً طائلة بعد أن تبددت منهم القوة.

عندما كانوا أصحاب نفوذ خصخصوا الحرب حتى تجرد الهدف من التدخل من كل معنى. تم إفساد السياسة الخارجية من خلال تحويلها إلى مصالح تجارية ومن خلال تكليف حلفاء إقليميين لديهم أجنداتهم الخاصة بالمهام المطلوب القيام بها. لئن علمت طالبان ما الذي كانوا يقاتلون من أجله فإن الأفغان الذين عارضوهم لم يكونوا يعرفون في سبيل ماذا يقاتلون، وهذا أقل ما يقال بحق القوات التي أرسلتها حكوماتنا إلى هناك للقتال معهم.

يبعث كل ذلك برسالة مرعبة إلى أولئك الأمراء والجنرالات في الشرق الأوسط الذين سيجدون صعوبة بالغة في البقاء لخمسة أسابيع فيما لو سحبت الولايات المتحدة قواتها أو مساندتها العسكرية لهم. لابد أن الدواوين الملكية في الرياض وأبوظبي وعمان والقصر الرئاسي في القاهرة يسألون أنفسهم كم أسبوعا يمكنهم البقاء لو انفجرت ثورة إسلامية شعبية في وجوههم.

اشتهر عن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب القول إن المملكة العربية السعودية لن تمكث أكثر من أسبوعين فيما لو غادرت الولايات المتحدة.

إذا لم يقاتل الجيش الأفغاني من أجل غني فهل يظن ولي العهد ووزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان أن الحرس الوطني، الذي طالما شن الحملة تلو الأخرى ليجز رؤوسه، سوف يقاتل من أجله؟

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى