بقلم ناصر قنديل

البعد الإنساني يكشف القادة: بشار وأسماء الأسد: ناصر قنديل

قد يتسبّب الحقد الأعمى للكثيرين بأنواع من العمى تحول دون قدرتهم على الرؤية، ومنهم مَن سيعتبر كلّ الكلام الذي سيُقال هنا نوعاً من الترويج أو المجاملة أو ما يدعوه للتجاهل، لأنه يتناول من يراه خصماً في السياسة أو من لا يريد أن تنسب إليه الصفات الطيبة، لكن هؤلاء ليسوا الذين يهدف الكلام بلوغ مسامعهم، فهم صمّ بكم في غيّهم يعمهون،.الظاهرة التي يريد الكلام فتح العين عليها هي العلاقة بين سلوك القادة، أيّ قادة، في الشأن العام وفي شؤونهم الخاصة، وكيف يتكفل البعد الإنساني في السلوك الخاص بكشف معادن القادة وأخلاقهم ودرجة تنسّكهم أيضاً في خدمة ما يُفترض أنهم نذروا أنفسهم لأجله .

أمامنا رئيس دولة في حالة حرب ممتدّة منذ سنوات، يقول الجميع إنها أشدّ حروب القرن الحادي والعشرين ضراوة وقسوة. وهذا الرئيس هو رمز الحرب بين محبّيه، وهدفها بين أعدائه، وهو قائدها في جيشه وبين حلفائه، وللحرب تداعيات غير جبهات القتال، بين السياسة والاقتصاد والإدارة، يتولى إدارتها والإشراف على تفاصيلها بنفسه، كما يُجمع حلفاؤه وأعداؤه، ولهذا الرئيس أسرة، زوجة وأولاد، يتنقل معهم بين الإجازات والزيارات ذات الطابع العام للجرحى وأسر الشهداء، بصورة أقلّ ما يُقال فيها إنها لافتة، بدرجة من التواضع يصعب فيها التصنّع، وبدرجة من الانسجام العائلي والابتسامات المتبادلة يصعب معها الحديث عن أداء مبرمج، وتظهر زوجة متعلّمة أنيقة مثقفة حاضرة في مهمات الرئاسة ومتمّماتها، لزوجة رئيس في بلد في حال حرب، كملاك رحمة، تبلسم الجراحات وتتحدّث في الجموع وتدير الفعاليات وتنسّق الأنشطة، وتمتلك كمية من الحضور اللافت والتأثير والنفاذ والمحبّة بين الناس ما يتخطّى بكثير ما يرتبط بكونها زوجة الرئيس.

في يوم صيفي شديد الحر، وأنباء الانتصارات تتوالى على السوريين، تعلن رئاسة الجمهورية أنّ زوجة الرئيس قد بدأت بثقة وقوة وإيمان تلقي العلاج من مرض سرطان الثدي الذي اكتشفته في مراحله المبكرة، متوجّهة لسيدات بلدها وفتياته للمسارعة إلى الفحوص التي تتيح الاكتشاف المبكر لهذا المرض الخبيث، وتعلن أنها تواصل عملها كالمعتاد في مكتبها، وتظهر مع الرئيس في صورة داخل غرفة متواضعة من مستشفى عسكري في بلدها، وهي تتناول العلاج وهما يتبادلان ابتسامات الثقة والتعاطف والتضامن بنظرات لا يمكن وصفها بغير المؤثرة بصدقها وشفافيتها، وتنتشر في سورية موجة مغناطيسية ساحرة من الحب والدهشة والذهول، فمن جهة الخبر مربك، ومن جهة السلوك يتسبّب بالارتباك، فالكتمان كان ممكناً، والعلاج في مستشفى خاص أو في الخارج كان متاحاً، فأيّ نوع من البشر هم هؤلاء الذين يشاركون مواطنيهم تفاصيلهم الشخصية، والمؤلم منها خصوصاً، ويقدّمون صورة المواطنة الممهورة بتفاصيل التفاصيل بالتمسك بالوطن، في أشدّ اللحظات التي يبحث خلالها الناس عن الخصوصية ويختارون لأنفسهم أفضل الفرص العلاجية، بدلاً من ذلك يخرج الخبر رسمياً مشفوعاً بالصورة والعزم والتوجّه للنساء بدعوات الانتباه والوقاية، والقرار اعتماد العلاج في داخل الوطن وفي المستشفى العسكري، والعودة للعمل المنتظم، والسوريون يتساءلون، ألا يكفي هذا للذهول؟

خلال ساعات لم تتبقّ مساحة على صفحات التواصل الاجتماعي إلا للخبر ومشاعر التضامن والحب مكان، وخلال ساعات يكون عشرات الآلاف يستبدلون صور حساباتهم الشخصية على وسائل التواصل بصور زوجة الرئيس، فيما الآلاف ينشرون صورها مع كلمات تحمل المشاعر الحارة

والمتدفقة، وخلال الليل يتوزّع الآلاف بين إضاءة الشموع وتلاوة الأدعية لتبقى بينهم بالصحة والعافية، وتتسابق عائلات سوريّة على إقامة النذور على نية شفائها، وفيما البعض بكى والبعض يدعو، والبعض يكتب، كانت زوجة الرئيس تمضي الليل مع أسرتها بين زوجها وأولادها كما كلّ يوم طبيعي تساكن المرض والألم بالعزم والابتسامة، وتستعدّ لتكون في اليوم التالي في مهامها وعملها الذي اتخذته بين أهلها وشعبها، وهي تشحذ همة أولادها ومعنوياتهم ليكونوا مثلاً لمن هم في أعمارهم من الشباب في سورية، وقد فقد الكثير منهم أباً وأماً، ويجب أن يواصلوا الحياة بعزم وابتسامة، لأنّ الوطن يحيا بهما.

ليس من المعيب أن نمتدح أو أن ندعو للتمثل بقادة من غير بلادنا وننشر بإعجاب خصالهم الحميدة، كما يتحدث البعض عن رئيس وزراء كندا، أو رئيسة كرواتيا، أو وزير في السويد أو فنانة في هوليود، قرأنا بعضاً من سيرهم، المشكوك بصحتها أحياناً، لكن المعيب أن يكون بيننا قادة من طراز رفيع من الإنسانية، ونتجاهل وجوده والحديث عنه، والإشارة إلى ما يمتلك من خصال نادرة يصعب أن يجاريه فيها أحد، فقط بسبب الحقد أو عقدة النقص أو التملّق للأجنبي والعدو، فكيف عندما يكون الحديث موضوعه سيرة هذا الرئيس وزوجته ببعدهما الإنساني الراقي، وتكريسهما لنفسيهما بالتكافل والتضامن والرضى والحب لقضية الوطن والأمة التي يؤمنان بالانتماء إليهما.

– توجيه التحية للرئيس بشار الأسد ومعها التحية والدّعاء للسيدة الراقية المحبوبة أسماء الأسد بالشفاء، وكذلك تسجيل هذه الظاهرة المتدفقة حبّاً وعاطفة بين السوريين نحوهما، هي ترجمة لمعنى القيادة، ومواصفات مَن يستحق حمل هذه الصفة، يقدّمها لنا في أحلك الأوقات التي مرّت على سورية. هذا الثنائي الذي بقي يواجه بالعزم والابتسامة كلّ التحديات، وها هما معاً وفي أحلك ظرف يمكن أن تعيشه أسرة أيضاً بالعزم والابتسامة ذاتهما يواجهان، ومن لا يستطيع مواجهة الحقيقة والاعتراف بها أو لم يعجبه توجيه التحية… فليصمت !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى