بقلم ناصر قنديل

ترامب: حكومة أميركية في واشنطن بدل الحكومة العالمية

ناصر قنديل

– منذ حرب فييتنام والهزيمة التاريخية وأميركا تجاهد للخروج من العقدة والذهاب، كما فعلت في الحرب العالمية الثانية خلف المحيطات مرة أخرى، بعدما قال الشعب الأميركي كلمته برفض دفع الأثمان الغالية لتحقيق السياسات الإمبراطورية، وقد كافحت النخب الحاكمة في الحزبين الجمهوري والديمقراطي لاسترداد التفويض الشعبي الذي كان بيد الأسلاف بعد الحرب العالمية الثانية بخوض الحروب الإمبراطورية والتصرف كحاكم للعالم، واستبدلوا الإنفاق على الحروب بالإنفاق على سباق التسلح الذي لا يحتاج لدعم الإرادة الشعبية، طالما لا يكلف دماء المزيد من الجنود، حتى بلغوا وفقاً لخطط الثنائي الدبلوماسي الاستخباري زبيغنيو برجنسكي كمستشار للأمن القومي وجورج بوش الأب كمدير للمخابرات في مطلع الثمانينيات النجاح بالجمع بين استنزاف المقدرات السوفياتية في حرب النجوم واستنزاف الجيش السوفياتي بواسطة تنظيم القاعدة، كعنوان لما عُرف بالحرب الباردة، وصولاً لبدء انهيار الاتحاد السوفياتي ولاحقاً نهاية الحرب الباردة، والنجاح باسترداد التفويض بخوض المزيد من الحروب في عالم لا عدو فيه ولا منافس.

– كانت حرب يوغوسلافيا أول التجارب للمرحلة الجديدة، واستدعى الأمر توظيف أو تصنيع أحداث الحادي عشر من أيلول بواسطة تنظيم القاعدة لمنح إرادة الحروب الإمبراطورية المزيد من الزخم، وخاصت النخب الحاكمة في واشنطن بفرعيها الجمهوري والديمقراطي حروبها بلا هوادة، بالجيوش الأميركية وتنظيم القاعدة معاً وبالتناوب والتشارك حيث تدعو الحاجة، ومنذ سقوط جدار برلين حتى تحرير الجيش السوري لحلب مرّ ربع قرن منحت خلاله التكنولوجيا للنخب الحاكمة في واشنطن فرصاً كثيرة لحساب نظرياتها الإمبراطورية، وربط أمن الأميركيين بالحروب الخارجية، سواء تحت شعار منع اسلحة دمار شامل مزعومة في العراق أو ملاحقة إرهاب خاضع للاحتواء المزدوج في أفغانستان، وصولاً لحروب الربيع العربي التي يقول مدير المخابرات الأميركية في إدارة الرئيس باراك اوباما جو برينان وهو يغادر منصبه أنها كانت حروباً للديمقرطية اقتضت تخيير رؤساء كالرئيس المصري حسني مبارك بين التنحّي أو ملاقاة مصير الرئيس معمر القذافي، لكن النتائج كانت سيناريو بدأ بالأخوان المسلمين وانتهى بداعش.

– فشل مشروع تحويل حكومة واشنطن إلى حكومة للعالم كلّه، هذه هي خلاصة ربع قرن، وفشلت محاولة استخدام تمويل من خارج الخزانة الأميركية عبر مشيخات وممالك الخليج، واستخدام جيش غير رسمي عبر تنظيم القاعدة، والاكتفاء بالاعتماد على المخابرات والإعلام الأميركيين، فقد أدّى صمود سورية بصورة خاصة إلى تغيير المعادلة جذرياً. وهي الحلقة التي كان يمكن لسقوطها أن يمنح للحروب الإمبراطورية مغزى النصر. وترتب على الصمود السوري فشل محاولات رسم خرائط شرق أوسط جديد، ونجحت سورية باستنهاض همّة روسيا وإيران على المزيد من المواجهة، والفوز بإنجاز تغييرات جيوسياسية في ملفات من حجم الملف النووي الإيراني، والإمساك الروسي عسكرياً بحوض البحر المتوسط بعد تركيع تركيا والسيطرة على البحر الأسود، وصولاً لنشوء حلف روسي إيراني سوري تتهيأ تركيا للتفاهم معه نحو معادلات جديدة كلياً في الشرق الأوسط.

– وصول دونالد ترامب للرئاسة الأميركية لم يكن لصناعة تغيير، بل جاء فوز ترامب ثمرة لتغيير قد حصل، فقد نالت النخب الأميركية الحاكمة في واشنطن فرصة ربع قرن لبناء حكومة عالمية موّلتها ودفعت أثمانها أرواح أميركيين ودماءهم وأموالهم، من مكلفيها دافعي الضرائب والمتمولين والرأسماليين والمواطنين والجنود، إيماناً بأن النجاح في قيام الحكومة العالمية التي تصنع في واشنطن وتدير العالم هو عائد مشترك لكل الأميركيين. كما نالت التفويض الصامت لاستعمال مال الخليج ورشى حكامه ومسلحي تنظيم القاعدة للاحتيال على الرفض الشعبي والرأسمالي لرفد الحلقات الأخيرة من مشروع الحكومة العالمية بالدماء والمال اللازمين، حتى بلغت الأخطار درجة أعلى من العائدات المفترضة وصار الفشل، فتم سحب التفويض بالجملة لصالح العودة إلى خلف المحيطات والصراخ بصوت ترامب العالي نريد حكومة أميركية وبئس حكومتكم العالمية. لم ننل منها سوى انهيار صناعتنا وكساد بضاعتنا وبطالة عمالتنا وتدهور بنيتنا التحتية، ونشر قواتنا شرطة عالمية وركوب وهم تغيير الأنظمة بالقوة لتعميم ديمقراطية مزعومة أنتجت تسليم بلدان بأكملها لتشكيلات إرهابية ترتد علينا بحروب معولمة وتنشئ «خلافتها» العالمية على نمط حكومتكم وببركة نظرياتها.

– خطاب ترامب الرئاسي هو إعلان سقوط الحكومة العالمية في واشنطن وولادة حكومة أميركية مكانها، وإعلان حرب لن تهدأ بسرعة بين أصحاب التفويض الأصليين من أصحاب المال والدماء، من جهة، والنخب البيروقراطية التي يعبر عنها إعلام عملاق ومخابرات أخطبوطية وجهاز حزبي ممتد عبر الحزبين الكبيرين ونوابهما وقادتهما ومكاتب المحامين المستعدة لممارسة الشأن العام تحت شعارات وفلسفات منمّقة بلغة هارفرد وأكسفورد، حرب أهلية ضروس تدخلها أميركا ولا تبدو فيها الفرص محصورة بفوز فريق وهزيمة الآخر، بل يبدو خيار الفوضى السياسية والدستورية فيها وارداً، ومعه الضعف والتشوّش في الاقتصاد والسياسة.

– «إن الإمبراطوريات الكبرى عندما تسقط لا تبلّغ بموعد حدوث ذلك كما الطوفان والزلزال، إنها تسقط وحسب»، العبارة لغونداليسا رايس مستشارة الأمن القومي ووزيرة الخارجية في عهد جورج بوش الإبن في آخر الثمانينيات كباحثة جامعية تعقيباً على انهيار الاتحاد السوفياتي .

(البناء)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى