بقلم ناصر قنديل

ماذا يجري في موسكو؟

nasser

ناصر قنديل

– هل ما يجري في موسكو تجاه الأزمة السورية هو حوار أم تفاوض أم تشاور أم تمهيد أم اختبار أم مسار؟

– كل طرف يطلق توصيفاً ينسجم مع الزاوية التي ينظر فيها للحدث الموسكوفي ولما يجري في سورية، والموضوعية تستدعي الابتعاد عن الموقع في النظر، وعن الموقف والرغبات، فما يجري في موسكو هو لقاء أولاً لفرقاء معارضين بقوا خارج الائتلاف أو رفض الائتلاف ضمّهم إلى صفوفه، مع مجموعة محدودة من شخصيات من الائتلاف ليست من صلب قواه الرئيسية، وسيحاول هؤلاء تكوين موقف موحد لتشكيل نواة مرجعية لمعارضة تستطيع برعاية روسية بدء مشاورات مع وفد حكومي، عسى تشكل نقطة انطلاق للحوار الأوسع والأبعد مدى في جنيف كما يصرّح المسؤولون الروس المعنيون، سواء وزير الخارجية سيرغي لافروف أو نائبه ميخائيل بوغدانوف، أو ما يقوله المشاركون أو تقوله الحكومة السورية، وهذا توصيف لن يعترض عليه المقاطعون، بقدر ما سيكون لهم رأي سلبي في الإجابة عن سؤال حول ما إذا كان سيصل إلى النتيجة التي يراها ويريدها المشاركون والرعاة على السواء، الذين يأملون بالتأكيد أن تكون النتائج إيجابية.

– التقييم الموضوعي يجب أن ينطلق من معادلات لا تتصل بالرغبات، وفي مقدمها، أنّ الحوار السياسي بين المعارضة والحكومة مهما اتسعت دائرته لن يوقف القتال الدائر في سورية، والذي يتمحور أغلبه الأعمّ بين طرفين هما الجيش السوري في ضفة و«داعش» و«النصرة» في ضفة أخرى، ويمكن إضافة أطراف صغيرة تدور حول «داعش» و«النصرة» ليست معنية بأيّ حوار، ومن جهة أخرى لن يضيف الاتفاق بنتيجة الحوار مع المعارضة بكلّ مكوّناتها للجيش السوري في وجه «داعش» و«النصرة» أي قوة إضافية حقيقية تخلّ بموازين القوى، فالقيمة العسكرية والأمنية للحوار، ضيقاً أو موسعاً، مع معارضة شاملة أو جزء صغير منها، هي تقريباً صفر.

– التقييم الموضوعي يجب أن ينطلق أيضاً من البعد الدولي والإقليمي الذي كان المحرك الرئيسي لقوى المعارضة، وهو من شجعها على الذهاب للخيار العسكري، ومنعها من الدخول في حوار يفضي إلى حلّ سياسي يوم كان المزاج الشعبي يساند سعيها إلى تغيير وإصلاح، وكانت الدولة مستعدة لفتح الباب أمام هذه الفرصة طالما أنها تعني، تموضعاً استقلالياً للمعارضة عن خارج تعرف الدولة أنه يعدّ ضدّها حرباً، وهذا البعد الدولي الذي لحقت المعارضة إغواءه وأضاعت فرصة الحلّ السياسي في توقيته السوري وتلبية لرغبة شعبها، هو ذات البعد الدولي والإقليمي الذي انتهت عنده الوظيفة المرتجاة من هذه المعارضة، لاستنزاف المحور الذي تشكل سورية حلقة الوصل والربط بين أطرافه والممتدّ من إيران إلى لبنان وفلسطين، وبعد أربع سنوات رست التوازنات على معادلات لم يعد لدى الفريق المقرّر في هذا البعد الذي تقوده واشنطن وهْم أو رهان على بلوغ الأفضل فيها، بينما الأسوأ هو الذي يبدو آتياً إذا تواصلت الحرب، لذلك اتجهت قوى الحرب الدولية وعلى رأسها واشنطن نحو الانخراط السياسي، وكان التفاهم الذي يبلغ خواتيمه هذه الأيام مع إيران، وكان الكلام عن الحلّ السياسي في سورية، ودعم مبادرة الحوار في موسكو والحديث عن مستقبل الرئيس السوري ودوره في الحلّ السياسي بلغة أميركية جديدة، وصار على هذه المعارضة التي تخلت عن استقلاليتها وفرص حلّ يمنحها الأكثر وهي قادرة ويُحسب لها حساب، طمعاً بما يتخطى قدراتها عبر الاستقواء بالخارج الأقوى، أن ترتضي اليوم الأقلّ والانصياع للوظيفة التي يرسمها لها هذا الخارج، وقد ضمرت وضعفت وصارت وجوداً إعلامياً وسياسياً مرتهناً ليس إلا.

– التقييم الموضوعي ينطلق أيضاً من أن هذه الحرب على سورية التي صارت لمرحلة حرباً أميركية خالصة يستخدم فيها الحلفاء الدوليون والإقليميون والمحليون وتسوغ فيها المحرمات، جلبت قوى الإرهاب إلى سورية وتضخمت وتوحّشت هذه القوى، وصارت هي الأوسع نفوذاً والأكثر قوة في المناطق التي وقعت خارج سيطرة الدولة السورية تحت راية المعارضة وداعميها، وصار هذا الإرهاب خطراً يتخطى تهديده حدود سورية، وهو ما يستدعي جعله أولوية غربية وأميركية بصورة خاصة، واستنهاض فرص حرب عالمية في وجهه، وهو ما لا يستقيم مع خوض حرب عالمية أخرى ضدّ سورية ثبت الفشل فيها على رغم التعاون مع هذا الإرهاب نفسه، فكيف تكون الحربان معاً، ما يعني وقف إحداهما لحساب الأخرى، والمعارضة جزء من الحلف الذي وضعت نفسها فيه، مشمولة بقرار الوقف هنا والانضمام هناك أيضاً، وموسكو هي البوابة ليس إلا.

– التقييم الموضوعي يجب أن ينطلق أيضاً من أنّ تغييراً شعبياً وعسكرياً يجري في سورية منذ سنتين عنوانه انتقال زمام المبادرة إلى يد الدولة السورية من يد حلف الحرب عليها، وجاءت متغيّرات الميدان من جهة والانتخابات الرئاسية من جهة أخرى، تقولان أنه في البيئة الشعبية والعسكرية التي لا تتأثر بالفكر التكفيري لـ»القاعدة» ومتفرّعاتها صار الخلل بالتوازن بنسبة تسعين إلى عشرة بين الدولة ومعارضيها، ولم يعد لدى المعارضين الواقفين خارج تشكيلات «القاعدة» و«الإخوان المسلمين»، فرص الرهان على حجز مكان ومكانة عبر صناديق الاقتراع لو أجريت الانتخابات بمعايير دولية عالية وشفافة، ما يعني أنّ حجز مقعد في السياسة لهذه المعارضة لن يكون إلا من فوق، بتسوية تقدم فيها للخارج الذي يريد إعلان نهاية الحرب ذات المسوغ الذي منحته إياه للاختباء وراءها لإعلان هذه الحرب، وتنال مقابل ذلك تعويض نهاية الخدمة ومكافأة تتمثل بمقاعد وزارية في حكومة ائتلافية.

– هنا تفتتح موسكو مساراً ولا تخوض اختباراً ولا تدير حواراً، هو مسار يحظى بتوافق أميركي روسي سوري إيراني، متابع بالدقة والتفاصيل لبلوغ أهدافه بتطبيع العلاقة بين سورية برئاسة الرئيس بشار الأسد ودول الحرب عليه وعلى بلده، تطبيع يتدرّج من فرز مكوّنات المعارضة الصالحة لهذه المهمة عن تلك التي يجب إبعادها كما هي حال «الإخوان المسلمين» ومفردات «القاعدة» المتنوّعة، وعبر هذا الفرز التراكمي بلوغ مرحلة تسويغ المصالحات والتفاهمات السورية احتفالياً بصورة تفتح للعرب الذين كانوا جزءاً من الحرب الدخول في المصالحات، بعد أن تتولى واشنطن تأهيلهم لزمانها، ويتبعهم الغرب وتتوجهم واشنطن، وعلى تركيا التي تراقب بامتعاض، أن تقرّر في الوقت المناسب ركوب القطار أو ارتضاء البقاء خارج السرب مع «معارضيها»، والطريق يبدأ بتشكيل نواة لكرة الثلج التي يُراد تشكيلها، ومعيار النجاح والفشل ليس موقف تركيا ولا عرب الحرب، فهو بحسب الترتيب المرسوم لاحق لا سابق، ولا المعيار قرار الائتلاف بالمشاركة من عدمه، فمهمة نواة موسكو فك وتركيب الائتلاف لا الحفاظ على وحدته، المهمة هي السعي لاستقطاب من هم خارج تجمعات الإخوان المسلمين، الذين يشكلون نصف الائتلاف، أي خمسون من مئة من شخصياته، والخمسون الباقون هم محور الاستهداف.

– ثلث النجاح في «موسكو واحد» هو بمشاركة المعارضة المسلحة الوحيدة التي تقاتل «داعش» و«النصرة» التي تمثلها لجان الحماية الكردية الشعبية، التي ليس مصادفة أن تمنح فرص الفوز على «داعش» مع افتتاح لقاء موسكو، وثلثه الثاني مشاركة معارضة الداخل التي تتصدّرها هيئة التنسيق الوطنية بقرار الإجماع، ومعهما تشكيلات معارضة متهمة بعلاقتها بالحكومة بنسبة أو بأخرى، وثلث النجاح الباقي هو اختراق جسم الائتلاف باستقطاب مشاركة من بين صفوف الخمسين شخصية غير المحسوبين على الإخوان، وهنا بات واضحاً أنّ مشاركة خمسة من خمسين من الائتلاف تعني نجاحاً في الاختراق الذي ستتسع فجوته ويكبر مع الاشتغال الهادئ بين جولة وجولة على الباقين من الخمسين، وصولاً إلى الصيف لاستيلاد حكومة جديدة يتشارك فيها المعارضون الذين صاروا رسمياً هم المعارضة، مع القوى المشاركة في الحكومة الحالية تحت سقف رئاسة الرئيس الأسد، تحت عنواني الحرب على الإرهاب وانتخابات نيابية تنافسية حرة في عام 2016.

– نجح لقاء موسكو في تشكيل النواة، وبدأ المسار، ونسبة النجاح تقارب الخمسة وسبعين في المئة، وهي تقارب بلغة الامتحانات درجة ممتاز.

(البناء)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى