بقلم ناصر قنديل

انطلاق قطار العودة 
للاتفاق النوويّ: ناصر قنديل

لا تنطبق السرعة التي تتعامل من خلالها إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن مع الملف النووي الإيراني مع ما يتوهّمه ويروّج له الذين ربطوا مصيرهم في المنطقة بوهم التفوّق الأميركي وضعف إيران، والذين قالوا إن شهوراً ستمرّ قبل أن تنظر واشنطن في الملف النووي الإيراني، فبدأ تعيين روبرت مالي مبعوثاً خاصاً حول إيران، خلال أسبوع من تسلّم الرئيس بايدن، وأشارت شخصية هذا المبعوث المعروفة بمواقفها الداعية للعودة إلى الاتفاق من دون إبطاء ومناقشة قضايا الخلاف تحت مظلة الاتفاق، إلى وجهة الخيار الذي يلتزمه الرئيس الأميركي.

 

قبل أن ينقضي شهر على دخول بايدن الى البيت الأبيض، كان ملفان يتحرّكان بالتوازي، ملف ترميم العلاقات الأميركية الأوروبية من مدخل التفاهم حول خريطة طريق العودة الى التفاهم النووي مع إيران، الذي ترجمه اجتماع هو الأول من نوعه منذ خمس سنوات يضمّ وزير خارجية أميركا ووزراء خارجية فرنسا وألمانيا وبريطانيا، أعلنت خلاله واشنطن استعدادها لحضور اجتماع ضمن إطار صيغة الـ 5+1، بحضور ومشاركة إيران، وتوجه موقف الرئيس الأميركي جو بايدن أمام مؤتمر ميونيخ للأمن بالاستعداد للانخراط في صيغة تفتح الطريق للعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، تحت سقف دائم للإشارة لملفات الخلاف مع إيران، ونيّة حلها بالتفاوض وضمها للاتفاق، وهو طبعاً ما ترفضه إيران. وبالتوازي كان يتحرك الملف الثاني وهو الضغط الأميركي على السعودية من بوابة وقف صفقات السلاح تحت شعار وقف الحرب على اليمن، وإلغاء تصنيف أنصار الله عن لوائح الإرهاب، وصولاً للإفراج عن التحقيقات الخاصة بقتل الصحافي جمال الخاشقجي وما تكشفه من دور لولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

بدأت واشنطن إجراءات التمهيد للعودة إلى الاتفاق، باتصال أجراه الرئيس بايدن برئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووضعه في صورة القرار الأميركي كما أوردت وكالة رويتر، واتخذت واشنطن قرارات بحجم شرعنة العودة للاتفاق وسحب الغطاء الشرعي أميركياً عن أية عقوبات نجمت على الأطراف الثالثين بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، وذلك من خلال سحب الطلب الذي قدّمته إدارة ترامب إلى مجلس الأمن الدولي لإعادة فرض العقوبات الأمميّة على إيران التي رفعت بموجب القرار الأمميّ الذي صادق على الاتفاق، وما في كتاب السحب من اعتراف بعدم شرعية الطلب الأميركي السابق، وبالتوازي ألغت واشنطن تقييدات كانت إدارة ترامب قد فرضتها على الدبلوماسيين الإيرانيين في نيويورك.

إيران رحبت بخطوات واشنطن، لكنها لم تكتف بها باعتبارها لا تحل قضية العقوبات التي يتوقف على رفعها تراجع إيران عن الإجراءات التي اتخذتها بتخفيض التزاماتها التي نص عليها الاتفاق، والأهم الإجراءات التي ستتخذها خلال أيام ما لم تُقدم واشنطن على إجراءات مقنعة لإيران بالتراجع عن العقوبات. وفي الأيام الفاصلة عن موعد 23 شباط ستشهد خطوات، برزت مؤشرات على وجهتها بمطالبة طهران لأوروبا باتخاذ خطوات تترجم التزامها بالاتفاق مع إيران، وبسحب واشنطن لطلب سابق بالعودة للعقوبات الأممية على إيران وإثبات عدم شرعية الطلب، ما يضع في الواجهة فرضية إقدام أوروبا على تفعيل آلية المتاجرة المالية مع إيران المسمّاة أنستكس، والتي عجزت أوروبا عن العمل بها في زمن إدارة ترامب وبات بإمكانها تفعيلها وإثبات جدواها، مع مليارات الدولارات العائدة لإيران والمحجوزة في المصارف الأوروبية، والصفقات الإيرانية مع شركات أوروبية والمجمّدة بانتظار آلية التسديد.

– كرر الرئيس بايدن في أكثر من مرة عبارة، إن أميركا عادت، متباهياً بأن ذلك تعبير عن القوة الدبلوماسيّة لأميركا، قاصداً أن أميركا عادت الى أيام عزها وقدرتها على تقرير مسارات العالم، والذي يجري يقول إن أميركا عادت فقط إلى الاتفاق النووي، وإن طريق العودة ليس على هواها ومقاس رئيسها، الذي يكتشف كل يوم محدودية خياراته وصعوبة التصرّف بما تمليه موازين القوة التي لم تعد لصالح دولته في العالم، بالتوازي مع حفظ ماء الوجه وادعاء التفوق والقدرة على رسم المسارات، وتظهير التراجع بصورة الإملاء من فوق. فالزمن تغير والمعادلات تغيّرت، والخيارات محدودة، وحال الإنكار لن تنفع، فتجرّع الكأس المرة دفعة واحدة أقل مرارة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى