بقلم ناصر قنديل

ما بين سطور نصرالله

ناصر قنديل

– في الخطاب التأبيني للشهيد القيادي في المقاومة وأحد مؤسّسيها القائد مصطفى بدر الدين تولى السيد حسن نصرالله تثبيت مقولات مبدئية في مسيرة المقاومة ونظرتها إلى شهدائها ومشاركة قادتها ضريبة الدم في الصفوف الأولى وتأكيد صدقية المقاومة في تعاملها مع الوقائع والمعلومات، سواء في ما يتصل بتحقيقاتها وتوجيه اتهاماتها بعيداً عن لعبة البروباغندا والتباهي أو الحرب النفسية الكاذبة، والاتهام السياسي في معرض تفسيره لتحميل الجماعات التابعة لتنظيم «القاعدة» مسؤولية استشهاد القائد بدر الدين، ورمى سهاماً غامضة في سياق الكلمة، واحد منها لـ«الإسرائيليين» عن عزم المقاومة على الردّ على أيّ استهداف لقادتها ومجاهديها بقوة، وهذه المرة بالخروج عن الردّ التقليدي، أيّ خارج مزارع شبعا، وسهمه الآخر لجماعات «القاعدة» ومن ورائهم السعودية بالإعلان أنّ ثأر المقاومة لقائدها الشهيد سيكون بتعزيز حضورها في سورية وصولاً إلى النصر النهائي في الحرب.

– ما بين سطور نصرالله في حديثه عن ظروف استشهاد القائد بدر الدين، و«التعامل الإسرائيلي المنصف»، تتبع دقيق لمعنى ولكيفية تصرّف «الإسرائيليين» بعيداً عن التباهي أو الإشارات الغامضة لإمكانية قيام وحدات تابعة للمخابرات «الإسرائيلية» بالعملية، والإسراع للتأكيد على صدقية رواية المقاومة التي تفيد ضمناً بعدم وجود يد «إسرائيلية» مباشرة وراء العملية، وقراءته كتعبير عما هو أبعد من مجرد إقرار لواقع سبق لـ«الإسرائيليين» أن تلاعبوا في التعامل مع مثله ضمن مدرستهم للحرب النفسية القائمة على الكذب والخداع، بإطلاق فرضيات واحتمالات ادّعاء ونسبة ما ليس لهم لوحداتهم الأمنية دون التصريح بذلك، ليرسم عبر هذا السلوك «الإسرائيلي» قراءة تفيد بأنّ «إسرائيل» أضعف من أن تكون وراء هذا الاغتيال، وأضعف من أن تتحمّل ردّ المقاومة لو فعلت، وأضعف من أن تخاطر بالذهاب إلى حرب تعلم أن المقاومة جاهزة لها لو فعلت، وتلقت ردّ المقاومة الموجع والمفتوح على فرضية الذهاب إلى الحرب، مضيفاً، ضمناً وبين السطور، حسناً تفعلون بالنأي بالنفس عن حربنا وقادتنا ومقاومينا في سورية، وإنْ فعلتم فضعوا في حسابكم أننا لن نرحمكم، وسنردّ بقسوة لا ترغبون بتذوّق مراراتها، وتنفتح بيننا وبينكم نيران حرب لا تتمنّون اختبار قدرتنا وعزيمتنا وما أعددناه لها، وبين السطور عزم على مواجهة أيّ عبث «إسرائيلي» في الدخول على خط الحرب في سورية، وثقة ضمنية بقراءة «إسرائيلية» تعبّر عن حسن التلقي لرسائل الردع من جانب المقاومة، دون أن يُلغي هذا اليقين بأنّ حرب «إسرائيل» بالوكالة التي يتولاها تنظيم «القاعدة» بتسليح تركي وتمويل سعودي تفرح «إسرائيل» عندما تصيب أهدافاً في جسم المقاومة.

– بين السطور يشرح السيد نصرالله مجريات الحرب في سورية، فيقطع بحقيقة واحدة، وهي أنّ محور المقاومة وحليفه الروسي يحققون الإنجازات، وبناء على هذه الحقيقة بقرار المزيد من الحضور والحشود وتحمّل المسؤوليات بثقة القدرة على صناعة الانتصارات. وبين السطور رسالة ردّ من نصرالله على كلّ ادّعاء بتضعضع الحلف بين محور المقاومة وروسيا على خلفية ما سمّي بالقراءات المتباينة للهدنة والحلّ السياسي، بل تأكيد على التماسك الذي يشير إلى تحقيق الانتصارات، والرضى الذي يتضمّنه العزم على فعل المزيد، وكان ممكناً للسيد نصرالله أن يقول رغم الكرّ والفرّ، ورغم مقتضيات الحرب المتعرّجة في ظروف دولية شديدة التعقيد، فوضع محور المقاومة لم يتأثر، بل يحقق الصمود والتقدّم ولو ببطء، وكان ممكناً أن يكتفي بالقول كما وجدنا في سورية، لأننا سنكون حيث يجب أن نكون، فنحن ماضون بالوجود فيها، وبأن نكون حيث يجب أن نكون، وهو ذهب إلى الأبعد في الأمرين فأشار إلى الانتصارات وأعلن التوسع والمزيد من المشاركة، وفي الأمرين رسالة جوابية على ما قاله الروس عن بدء الحرب على «جبهة النصرة» جواً وإبلاغهم الأميركيين بذلك رسمياً، بالقول أما البرّ فنحن جاهزون له، وتقييم لما أفضت إليه الحركة الدبلوماسية الروسية من تفجير تناقضات «النصرة» وجماعة «جيش الإسلام» حرب إلغاء بينهما، بالقول ها نحن نتقدّم ونحقق الانتصارات.

– بين سطور نصرالله تغاضيه عن الشأن اللبناني، رغم إشارته العاجلة للانتخابات البلدية في الجنوب، نظراً إلى موعد حدوثها غداً، لكنه تغاضٍ لا ينتج عن القدرة على تخصيصه بوقت لاحق منفصل عن ذكرى مخصصة لقائد كبير من قادة المقاومة، وهذا قد يصحّ بالنقاش حول الشأن الرئاسي أو حول قانون الانتخاب، لكنه لا يصحّ في شأن العقوبات المصرفية التي تشنّ ضدّ المقاومة بأيدٍ لبنانية، تشكل الوجه الآخر للحرب التي اغتالت الشهيد بدر الدين، وبأيد تشبه تلك التي تسعى لتشويه سيرته، ولم يتجاهلها السيد، ليصير ما بين السطور واضحاً، مزيد من المهل قبل أن يطفح الكيل ويعلن السيد حربه، فما يجري يشبه العبث بشبكة اتصالات المقاومة قبل سنوات، والردّ لن يكون أقلّ ولو أنّ ميدان الفعل وردّ الفعل ليس أمنياً ولا عسكرياً، بل سياسي وشعبي واقتصادي وقانوني، وعلى العابثين قراءة الرسالة قبل سقوط المهل.

(البناء)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى