شدد "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب على الحاجة إلى أن تستوعب القيادة في إسرائيل أن الواقع قد تغير في أعقاب انتخاب جو بايدن رئيسا للولايات المتحدة، وأن تلائم إسرائيل سياستها للسياسة الأميركية الآخذة بالتبلور، وكذلك لطبيعة وطريقة أداء الرئيس والإدارة الجديدين.

وجاء ذلك خلال لقاء عقده المعهد، ناقش التبعات الإستراتيجية لفوز بايدن، بمشاركة باحثين متخصصين في السياسة الأميركية، أبرزهم السفير الأميركي السابق في إسرائيل، دان شابيرو، والذي عُين أثناء ولاية الرئيس الأسبق، باراك أوباما، إلى جانب خبراء إستراتيجيين وفي الشؤون الإيرانية والعربية، ومعظمهم تولوا في الماضي مناصب رفيعة في أجهزة الأمن الإسرائيلية، وبينها شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) والموساد، وبضمنهم رئيس المعهد،ن عاموس يدلين. ونشر المعهد ملخصا للنقاش والاستنتاجات منه.

وتوقع المعهد أن تكون سياسة إدارة بايدن في عدد من القضايا مختلفة بالكامل عن سياسة إدارة الرئيس المنتهية ولايته، دونالد ترامب. وشدد بشكل خاص على أن الإدارة الجديدة ستركز بشكل كبير على مواجهة مشاكل محلية، أبرزها وباء كورونا، الوضع الاقتصادي والتقاطب الاجتماعي.

كذلك يتوقع أن تعود الولايات المتحدة إلى اتفاقيات المناخ الدولية، التي انسحبت منها إدارة ترامب، وإلغاء سياسة الهجرة التي وضعتها إدارة ترامب. وأشار المعهد إلى أن بايدن يعتزم تعيين مندوب عن الحزب الجمهوري في الحكومة، وإلى تصريحه بأن إدارته "لن تكون ولاية أوباما الثالثة. فنحن نواجه عالما مختلفا عن الذي واجهناه في تلك الإدارة. والرئيس ترامب غيّر المشهد، حيث تحول إلى "أميركا أولا" ومنه إلى "أميركا وحيدة".

وأضاف المعهد أن "إدارة بايدن، خلافا لسابقتها، ستتبنى أنماط عمل تقليدية ويتوقع أن تستند السياسات التي ستبلورها في القضايا المختلفة إلى إجراءات منظمة لاتخاذ القرارات"، لكن يتوقع أن "يواجه الرئيس المنتخب ضغوطا دائمة من جانب الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي فيما بالسياسات الداخلية والخارجية على حد سواء".

ويشدد بايدن والطاقم الذي يعمل إلى جانبه على أن الإدارة الجديدة ستغير الاتجاه مقابل المجتمع الدولي، من خلال "ترميم الدور الأميركي في الحلبة الدولية واستئناف التعاون المتعدد الجهات، وخاصة مع الحلفاء الأوروبيين، والعودة إلى اتفاقيات انسحب ترامب منها. ويتوقع أن يواجه المنافسة مع دول عظمى، خاصة روسيا والصين، لكن بشكل أقل صرامة من سياسة ترامب".

في سياق سياسة إدارة بايدن المتوقعة تجاه الشرق الأوسط، ركز المعهد على ثلاث قضايا، هي: إيران، الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني والعلاقات الإسرائيلية – الصينية. كذلك رجح المعهد أن تواصل إدارة بايدن سياسة أوباما وترامب، بالسعي إلى تقليص التدخل الأميركي في الشرق الأوسط. وشدد المعهد على أن بايدن ونائبته، كامالا هاريس، يوليان أهمية للعلاقات الإستراتيجية الأميركية – الإسرائيلية. "وبناء على تصريحاته خلال الحملة الانتخابية، فإن بايدن سيبقى ملتزما بالحفاظ على التفوق النوعي العسكري الإسرائيلي، ولن يشترط استمرار المساعدات الأمنية بتغيير السياسة الإسرائيلية، وليس متوقعا أن ينقل السفارة الأميركية من القدس".

وأشار المعهد إلى اختلافات بين موقف إدارة بايدن وموقف إسرائيل في عدد من القضايا:

اعتبر المعهد أن القضية الإيرانية ستكون في مركز سياسة إدارة بايدن في الشرق الأوسط. "ستسعى الإدارة إلى البحث عن طرق من أجل ترميم الاتفاق النووي"، حسبما يستدل من مقال نشره في "سي إن إن"، إلى جانب تعهده بمنع إيران من حيازة سلاح نووي. وليس واضحا كيف سيتعامل بايدن مع مطلب إيران برفع كافة العقوبات الأميركية عنها كشرط لاستئناف المفاوضات بين الجانبين.

وتوقع المعهد أنه فيما يتعلق بالصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، أن بايدن لن يسارع إلى طرح مقترحات، "طالما لا يطرأ تغيرا في القيادة الفلسطينية". وأضاف أنه ليس واضحا مدى الأهمية التي توليها إدارة بايدن لـ"صفقة القرن" أو لبنود فيها، كأساس لاستئناف العملية السياسية. وأشار المعهد إلى أنه يتوقع أن يستمر بايدن بدفع اتفاقيات تطبيع العلاقات بين إسرائيل ودول عربية، "حتى لو أننه من المحتمل أن تكون إدارته أقل سخاء من إدارة ترامب في ’التعويض’ الأميركي مقابل إقامة علاقات مع إسرائيل (مثل صفقة طائرات F35 للإمارات)". وحسب المعهد، فإن بايدن نقدي أكثر من ترامب تجاه السعودية.

القضية الثالثة تتعلق بالعلاقات الإسرائيلية – الصينية، والتوتر بين إسرائيل والولايات المتحدة على خلفية الاستثمارات الصينية في البنى التحتية والتكنولوجيا الإسرائيلية. ودعا المعهد أن تجس إسرائيل عن كثب الخطوط الحمراء لدى مستشاري بايدن في هذه العلاقات، والتركيز على المجالات التكنولوجية في المنافسة الأميركية – الصينية، والتي يتوقع أن تقلص إسرائيل هذه المجالات من تعاونها مع بكين.

في سياق دلالت فوز بايدن والتوصيات، دعا المعهد القيادة الإسرائيلية إلى ملاءمة نفسها للواقع الجديد، بعدما كان تأثيرا كبيرا لها على سياسة إدارة ترامب، وبلورة إستراتيجية اتصالات جديدة مع الفريق الذي سيقود السياسة الخارجية للإدارة الجديدة.

"رغم أن بايدن يعتبر صديقا لإسرائيل، لكن يتوقع أن تكون إدارته متشككة حيال نوايا حكومة إسرائيل، في أعقاب ترسبات من نهاية ولاية أوباما والعلاقة الحميمة بين رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، وترامب. وعلى كلا الجانبين أن يتعلما العمل معا من جديد، وعلى الأرجح أن الإدارة الجديدة ستكون معنية بالبدء "بالساق اليمنى". ولذلك، ثمة أهمية كبيرة لأن تصل إسرائيل إلى اللقاء مع الإدارة الجديدة ’بأيد نظيفة’، وثمة أهمية لاستيعاب سريع أن الواقع تغير وأنه ينبغي تنسيق التعامل مع السياسة الأميركية الآخذة بالتبلور وكذلك مع أداء الرئيس الجديد والإدارة الجديدة".

وأوصى المعهد أن تجري إسرائيل حوارا مع إدارة بايدن بشكل سري، في الأشهر القريبة المقبلة، "والامتناع عن توجيه انتقادات وإعطاء وعظ علني، وبالأساس الامتناع عن خطوات استفزازية. وعليها أن تمتنع عن الظهور كمن تحاول الالتفاف على الإدارة عن طريق الكونغرس، خاصة إذا تم الحفاظ على الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ" في إشارة إلى خطاب نتنياهو في الكونغرس، من خلف ظهر أوباما، ضد الاتفاق النووي، عام 2015.

كذلك أوصى المعهد بألا تدخل إسرائيل في صدام مع الإدارة الجديدة حول إيران، وأن تركز على محاولة إقناعها بالحفاظ على العناصر الهامة "صفقة القرن"، والسعي إلى عدم رفض إدارة بايدن للخطة كلها. ودعا المعهد إلى البدء فورا بتحسين علاقة الحكومة الإسرائيلية مع الحزب الديمقراطي، وكذلك مع يهود أميركا، إثر بروز ميول الحكومة الإسرائيلية إلى جانب الحزب الجمهوري، الذي لا يحظى بتأييد واسع بين يهود الولايات المتحدة.

وخلص المعهد إلى أنه سيمر وقت طويل إلى حين تتفرغ إدارة بايدن لقضايا السياسة الخارجية، وعندها لا يتوقع أن يكون الشرق الأوسط على رأس أولوياتها، وإنما ستسعى الإدارة إلى تحسين العلاقة مع الحليفات الأوروبيات وإلى التعامل مع "التحدي" الصيني. وبالنسبة للشرق الأوسط، فإن سياسة ترامب ستبقى سارية المفعول لأشهر، وربما تنفذ إدارة ترامب خطوات، الآن، بهدف التأثير على شروط البداية لقضايا في المنطقة، علما أن التعيينات التي نفذها بايدن تدل على توجه ذكي يسعى إلى الحوار. وثمة أهمية خاصة لضلوع إسرائيل في بلورة سياسة الإدارة الجديدة مقابل إيران.