Get Adobe Flash player

 

غالب قنديل

كشف الصحافي البريطاني المعروف ديفيد هيرست، وهو من أهم المختصين بين كتّاب الغرب بشؤون المنطقة العربية، عن تلقّي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لوما وتأنيبا شديدين من الإدارة الأميركية على تورّطه في محاولة الانقلاب على النظام الأردني.

 

أولا: من الواضح أن أوهام بن سلمان عن حجمه الإقليمي ودوره الممكن في المنطقة العربية، تقف خلف تورّطه في لعبة تمسّ الممنوعات الأميركية، لأنها تجري بالذات في بلد حساس، يقع على تخوم فلسطين، ويمكن لاضطرابه أن يدحرج عوامل تفجير واهتزاز في جميع الاتجاهات. فالأردن الواقع على تخوم فلسطين، والذي يمتلك حدودا مباشرة مع سورية، كان على الدوام نقطة حساسة في توازنات المنطقة وحسابات القوة والمعادلات. وهذا ما جعل الغرب والولايات المتحدة بالذات، يعطيان اهتماما كبيرا، ويقدمان المساعدات المنظمة والدائمة لتدعيم السلطة القائمة في الأردن، بسبب الاعتبارات الجغرافية والسياسية.

ليس الاهتمام الغربي مصادفة، بل هو سمة ثابتة لازمت السياسات الأميركية والأوروبية في المنطقة منذ وضع خرائط سايكس بيكو واغتصاب فلسطين. وبعد قيام الكيان الصهيوني انتشرت نظرية "المنطقة العازلة" أو "الحزام الواقي" في التوصيف الأمني والاستراتيجي لأهمية الموقع الأردني على خرائط المنطقة، وفي تأكيد درجة العناية الأمنية والعسكرية الأميركية والغربية خصوصا بموقع الأردن ودوره، وهذا ما يفسّر ثقل النفوذ الأميركي والبريطاني الأمني والعسكري والسياسي في هذا البلد العربي المحكوم بقدر الجغرافيا والتاريخ.

ثانيا: تكشف الوقائع المنشورة إعلاميا في الصحافة الغربية، وفي بعض التقارير الخاصة لمواقع معلوماتية واستخباراتية أن الولايات المتحدة كانت وراء إحباط المحاولة الانقلابية، التي يبدو أن ولي العهد السعودي تورّط في إعدادها وتمويلها، من غير إجازة أميركية مسبقة. وهو ما وصفته بعض الدوائر الأميركية بالحماقة. وقد نقل هيرست انطباعات واضحة عن قسوة الغضب الأميركي على بن سلمان بعد ما جرى في الأردن. وقد وصفه هيرست بالمغامرة  واللعب بالنار، نتيجة أوهام وحسابات من خارج السياسات والخطط، التي تعتمدها الإدارة الأميركية للمنطقة، وللتعامل مع توازناتها الدقيقة وظروفها المركبة في مناخ تحولات إقليمية ودولية تزيد من حدة الصعوبات والمشاكل، التي تعصف بمنظومة الهيمنة الأميركية وبسائر مصالح الغرب ومواقع نفوذه في الشرق العربي، الذي يعيش تحولات كبيرة وانعكاسات مرتبطة بإشعاع القوة الإيرانية الصاعدة، وبتطور قوى المقاومة في لبنان وفلسطين، وبما يجري في اليمن، وخصوصا مع مسار التعافي السوري المدعوم مباشرة من جميع دول الشرق الكبرى، ولا سيما إيران وروسيا. وفي هذا المجال يخلص التقدير العقلاني للواقع الإقليمي الى أن زعزعة النظام الأردني، هي نوع من اللعب بالنار، غير محمود العواقب، لأن هذا البلد بالذات، هو على تخوم فلسطين المحتلة، وتعتمل في بنيانه الاجتماعي مكونات، كانت دائما تعكس الترابط المباشر بين ما يجري في الأردن ومسار الصراع العربي - الصهيوني.

ثالثا: الأكيد أن الإشارة الأميركية، التي حملتها مقالات صحافية عن تقييم حركة بن سلمان، ستعقبها حسابات بين واشنطن والرياض. ومن شأن ذلك أن يرتدّ سياسيا على الانتفاخ الكبير، الذي أصاب حجم ولي العهد وحلفائه في المنطقة وأدواته الإقليمية الإعلامية والسياسية. وبالتالي نرجّح ألا يتسامح السيد الأميركي، من موقع الغطرسة الإمبراطورية، مع تضخّم وانتفاخ الأدوات الإقليمية حين يتحول ذلك الى تهديد لركائز السيطرة الإقليمية الأميركية. وربما تظهر في أوقات قريبة بوادر خلخلة في منظومة سيطرة ونفوذ بن سلمان داخل المملكة، في إعادة ترتيب أميركي لواقع النظام السعودي، يفرض انضباطه وابتعاده عن مغامرات من خارج أوامر واشنطن وتوجيهاتها. فأدوار الأنظمة التابعة محددة ومقيدة، ولا يعدّلها انتفاخ الحكام مهما تضخمت أوهامهم وتورمت أحجامهم.

إن التطورات الجارية في المنطقة تضاعف حساسية الظروف ودقتها، ومن الواضح أن التحولات الجارية، تفرض على الولايات المتحدة سلوكا متحفظا، وتدابير عاجلة لمنع المغامرات، التي قد ينطلق اليها بعض الأدوات المنتفخة المعتمدة  لضمان المصالح والسياسات الأميركية في ظرف تحوّل عاصف، ستكون معه واشنطن مرغمة ومضطرة الى تقديم التنازلات أمام إيران وحلفائها، رغم كل مظاهر الغطرسة والعنجهية.