غالب قنديل

تشير المعلومات الصحافية والمؤشّرات السياسية حول المفاوضات المتعدّدة الجارية بشأن الملف النووي الإيراني الى تقدم كبير أحرزته الجمهورية الإسلامية، بفرض إرادتها الحرة على الإمبراطورية الأميركية المتغطرسة وحلفائها الغربيين، الذين لم تجرؤ منهم أي دولة "عظمى" على تحدّي المشيئة الأميركية بحظر التعامل مع إيران لعقود مضت.

 

أولا: العِبرة الأساس، التي يجب أن نحفظها من هذه التجربة المهمة في تاريخ المنطقة، والممتدة منذ عقود بعد انتصار الثورة الإيرانية، هي أن الغرب الاستعاري لا يفهم غير لغة القوة. فإيران المتمسّكة باستقلالها وسيادتها، والتي حقّقت بنيانا قويا وصلبا على قاعدة هذا الاستقلال، وواظبت على مراكمة عناصر القوة بامتلاك التكنولوجيا الصناعية المتقدمة والنووية، وبإقامة شراكات مع الدول العظمى المناوئة للهيمنة الأميركية كالصين وروسيا، ولم تلق تجاوبا يُذكر من أوروبا الغربية مع مبادراتها الكثيرة.

إيران هذه باتت على وشك أن تهزم الحصار المحكم، الذي فرضه عليها الغرب الاستعماري بقيادته الأميركية، دون أن تقدم أيّ تنازل عن حقوقها أو سيادتها، ومن غير التراجع، بأيّ قدر كان، عن مواقفها المبدئية، ولا سيما دعمها لقضية فلسطين وموقفها المشرّف الى جانب محور المقاومة وسورية بالذات.

ثانيا: إن هذا النموذج الإيراني في إدارة الصراع يحاكي المثال الفيتنامي في إدارة الحرب والتفاوض ضد الإمبراطورية المستعمرة العاتية، وهو يختزن خصوصيات كثيرة، تستدعي الدراسة والفهم واستخراج العِبر في مراكمة خبرات الشعوب وحركات التحرّر، تماما كما كانت دراسة التجربة الفيتنامية وغيرها من التجارب الثورية فرضا واجبا على أيّ مناضل تحرّري، يريد مراكمة الوعي وأخذ العِبر في التكوين الفكري والثقافي لقوى التحرّر في العالم الثالث. واليوم تقدم التجربة الإيرانية نموذجا غنيا وملهما لجميع أحرار العالم بميزات تفاضلية، مقارنة مع تجربة فيتنام.

إيران التي تشقّ طريقها، وتبني قدراتها واقتصادها، تهِب، منذ اليوم الأول، بعضا من قوتها ومن إمكاناتها لدعم شركاء المصير في الشرق العربي، وهي اليوم تقف بثبات الى جانب سورية وحزب الله والمقاومة الفلسطينية وأحرار اليمن، وتقدم الكثير لهذا الحلف التحرّري العربي في مجابهة الهيمنة. وسيكون إشعاع القوة الإيرانية الصاعدة والشريكة مع الصين وروسيا كبيرا وعظيما، بحيث يتحول كلّ إنجاز إيراني جديد الى عنصر تحفيز وتدعيم لقوة الحلفاء المخلصين، ولا سيما في الشرق العربي، أي فلسطين ولبنان وسورية والعراق واليمن.

ثالثا: العِبرة التي يهمنا إبرازها بقوة أمام الرأي العام اللبناني، هي أن الوقت لن يطول قبل كسر المارد الإيراني لقيود العقوبات، وتحطيمه لكلّ الأغلال المانعة لانعتاق قوة اقتصادية وسياسية هادرة في الشرق والعالم، وواعدة بتقدمها التكنولوجي وثرواتها الهائلة. وهذه القوة تنظر بعطف كبير الى لبنان وشعبه لأنه بلد المقاومة، التي يقودها حزب الله. وهي تبرهن في كلّ يوم عن مدى حرصها واستعدادها لمدّ شركاء المصير في لبنان بكلّ الإمكانات المتاحة.

إن جريمةً كبيرة بحق البلد، يرتكبها "تيوس" الاستعمار الغربي عندنا. وهذا توصيف في معرض التعبير عن تصميم بعض الأطراف على مواصلة الإذعان للإملاءات الأميركية والغربية، ورفض فتح العيون والعقول على التحولات الجارية، وما فيها من فرص، وأهمها التحول الإيراني. وبالتالي فإن التصميم على عزل البلد عن شريك كبير وعملاق اقتصادي لديه كلّ الاستعداد لوضع إمكاناته بتصرّف لبنان في زمن ضيق، لسنا معه في ترف الإعراض عن أيّ مساعدة أو شراكة ممكنة. ولا يمكن إدراج سلوكيات إدارة الظهر لفكرة الشراكة مع إيران إلا بكونها الصدى لعمالة متأصّلة واستلاب مرضي للسيد الأميركي والغربي على حساب المصلحة الوطنية. وهذا القطيع من الساسة اللبنانيين، الذين يعادون إيران والعلاقة معها، بكلّ ما فيها من فرص، ليس إلا عملاء صغار يردّدون رجع الصدى لأوامر سيدهم الأميركي والغربي، وهم بذلك عبء خطير على كرامة لبنان ومصالحه العليا.