Get Adobe Flash player

 

غالب قنديل

تتمادى الأزمة الخطيرة، التي يجتازها لبنان في ظل فراغ حكومي مقيم، لا يلوح مخرج قريب منه في الأفق. ويرى الناس أن حالة الاستعصاء السياسي في عملية تشكيل حكومة جديدة غير مفهومة أو مبرّرة في مثل الظروف الحرجة الحاضرة، التي تتطلّب من الجميع التعامل بمسؤولية لبلورة رؤية مشتركة بهدف الإنقاذ الممكن.

 

أولا: لم يقدّم أيّ من الفرقاء المعنيين بتشكيل الحكومة حيثيات كافية أو مقنعة لتأخّر إعلان الولادة العسيرة. وهم يعلمون جيدا، من مواقعهم المسؤولة، أنه كلما طال أمد الفراغ تضاعت الكلفة المالية والاقتصادية على البلد والناس في ظرروف شديدة الحرج. فالقدرة الشرائية تواصل سقوطها الحر الى معدلات جديدة، وتَعطُّل الإنتاج يفاقم من وطأة الانهيار الشامل، مما يغرق البلاد في دورة خطيرة من التآكل والانهيار، وفي ظل فراغ خطير على صعيد السلطة التنفيذية.

إن البلد أحوج ما يكون الى عملية إنقاذية، تقودها حكومة كاملة الصلاحيات، قادرة على اتخاذ القرارات والإجراءات المطلوبة في دّها الأدنى، لوقف السقوط والتّدحرج الى هوة سحيقة وخطيرة. ولا يمكن وقف حلقة لحس المبرد في ظل الفراغ الحكومي. وهذا ما يدفع ثمنه جميع اللبنانيين بدون استثناء، بعدما تمادى الانهيار وسحق جميع الطبقات، فتبدّدت الشرائح الوسطى وتلاشت، وتوسّعت الهوة السحيقة بين الأغنياء والفقراء.

ثانيا: إن هذا الواقع الاجتماعي ينذر بخطر شديد، لأنه ينزع من التركيبة اللبنانية صمّام الأمان التقليدي والتاريخي. فلطالما اعتُبر حجمُ الشرائح الوسطى في المجتمع ضمانة الاستقرار وعدم تحوّل التوترات السياسية الى أزمات صاخبة وحروب أهلية. وكان انهيار الطبقات الوسطى في مطلع السبعينيات مفتاح الولوج اللبناني في نفق الحرب الأهلية وحلقة النار والدم، التي أكلت الأخضر واليابس، وأغرقت البلد في كارثة مديدة، ما زلنا ندفع كلفتها ونحمل آثارها الى اليوم، رغم كلّ ما انقضى من عقود، أعقبت تلك الكارثة الوطنية.

ما نحتاجه اليوم، هو تفكير جديد، يعطي أولية لوقف دوامة الانهيار والتآكل، وينشيء حكومة جديدة، تنهي الفراغ، وتتولى إدارة الأزمة ولجم تفاعلاتها والحدّ من مخاطرها الى حين تبلور الظروف الكفيلة بالتفكير والمبادرة لإعادة إحياء الثروة والنهوض بالاقتصاد اللبناني من جديد. وذلك ليس معجزة إن توافرت الرؤية والإرادة. وهذا أمر يتطلّب حكومة كاملة الصلاحيات، ولا يمكن السير اليه في دهاليز الفراغ وحلقته المفرغة.

ثالثا: ما يتمناه اللبنانيون، هو أن يمتلك الواقع السياسي جرأة التعامل مع الأولويات الوطنية، التي تعني الناس بدلا من التمادي في لعبة الحصص والمراكز وتفاصيل كثيرة، يجدها المواطن العادي غير مهمة، قياسا الى ما يؤلمه ويقلقه من هموم العيش والاستمرار، خاصة وأن المستقبل القريب لا يبدو ورديا، بل هو قاتم ومعتم. ويخشى الناس في ظلّ ما يجري سقوطا سريعا الى هاوية سحيقة. مما يلقي مسؤولية كبيرة على الواقع السياسي لوقف هذا الانهيار، والتفاهم العاجل على حكومة جديدة، تباشر مهامها بعد اكتمال قوامها الدستوري بثقة مجلس لنواب كالعادة، لتباشر الانصراف الى جدول أعمالها الإنقاذي. وما يتمنّاه الناس أن تأتي الحكومة بفريق عمل كفوء أهل للثقة، يناسب بديناميكيته المواجهة المنشودة مع التحديات الكبرى والوجودية.

إن إنقاذ البلد ليس معجزة، وهو يستدعي رؤية واضحة لكيفية التماس الحلول والمخارج من هذا المأزق الخطير. ولا مبرّر أبدا، في نظر الناس، لزيادة الكلفة بإطالة أمد الفراغ، طالما أن الواقع السياسي يُظهر توافقا على الخطوط الرئيسية، التي يُفترض أن تتضمّنها خطة العمل الحكومي. ووفقا لما نقرأه ونتابعه من أدبيات وخطب، فإن أحدا من الأطراف المعنية، لم يقترح تصورا مخالفا أو جديدا مختلفا عن مسار حلقة الاقتراض وسياسات احتواء المأزق، التي درج التعامل معها وعلى أساسها خلال السنوات الأخيرة. وذلك ينظر الناس الى أزمات التشكيل المتعاقبة على أنها نوع من العبث السياسي، يرفع الكلفة، ويشكّل مقامرة خطيرة بمصير البلد وأهله.