Get Adobe Flash player

خامساً، الصناعات الثقيلة. من نافل القول الاستنتاج أن سورية قبل الحرب الإرهابية التي شنت عليها لم توفق كثيراً في الصناعات الثقيلة، وربما كان هذا طبيعياً لأن دول كثيرة سبقت سورية في مضمار هذه الصناعات ولم تكن تتوفر لسورية الإمكانيات للنهوض بهذا القطاع الصناعي، والمقصود بالإمكانات الاستثمارات الكبيرة وأيضاً الخبرات والأيدي العاملة الماهرة، هذه الصناعات لا تزال تتركز في دول بعينها لهذه الأسباب، وهي الدول التي شكلت قاطرة الصناعات الثقيلة ولا تزال هذه الدول تستحوذ على هذه الصناعة وتفرض قيوداً شديدة على محاولات نقلها وتوطينها في بلدان أخرى. فضلاً عن ذلك أن سورية في ترتيب موقعها وقدرتها تاريخياً إزاء هذه الصناعات وأولوياتها، ولاسيما الدفاعية، لم تكن في وضع يؤهلها للتركيز على هذه الصناعات، وأي جهد بذل على هذا الصعيد لم يكن موفقاً وغالب الأحيان مثَّل تبديداً للأموال وإهداراً للإمكانيات, وعلى أية حال هذه ليست ميزة سورية التنافسية وهي في بداية انطلاقتها في مضمار الصناعة بشكل عام. المقصود بالصناعة الثقيلة هو صناعات الآلات التي تحتاجها مجمل قطاعات الاقتصاد، وأيضاً صناعة السيارات بأنواعها المختلفة، وصناعة الطائرات للأغراض الحربية والمدنية.

لكن سورية ما بعد الحرب وفي مرحلة إعادة الإعمار ربما تتاح لها فرصة للحد من تأثير العقبات والمعيقات التي تعرقل نهوض صناعة ثقيلة والعمل على توطين هذه الصناعة شرط أن تلحظ خطط إعادة الإعمار هذه المسألة وتوليها أهمية تتناسب مع حجم وتأثير هذا القطاع على مجمل الاقتصاد السوري.

الفرص المتوفرة لسورية ما بعد الحرب تتمثل في واقع أن هناك عقوبات مفروضة على سورية من الدول الغربية، وهناك قيود فرضت عليها تحول دون الحصول على منتجات القطاع الصناعي الثقيلة، وتحديداً الآلات التي تحتاجها المصانع السورية المختلفة، ولا شك أن لدى سورية بدائل لكسر الحصار والعقوبات المفروضة عليها، لاسيما أن هذه العقوبات لم تكن عبر قرارات لمجلس الأمن الدولي، بل قرارات دول وتكتلات إقليمية مثل الاتحاد الأوروبي، وبالتالي هي غير ملزمة مثلاً لدول مثل الصين وروسيا، ولكن أيضاً هذه الدول ليس لديها كل ما تطلبه سورية وبالتالي فإن جهداً كبيراً لا بد أن يبذل لتطوير صناعة ثقيلة سورية تساعد على سد هذه الثغرة. لا شك أن هذا سيكون من أصعب التحديات التي تواجه سورية في مرحلة إعادة الإعمار وقد تكون قادرة على جبه هذا التحدي بنجاح أو نصف نجاح وربما فشل كامل، كل شيء متوقف على توفر القدرات المالية والخبرات التقنية، وسورية في مرحلة ما بعد الحرب تعاني كثيراً على هذا الصعيد، ولاسيما لجهة نقص القدرات الاستثمارية، في قطاع قد لا يغري الكثير من المستثمرين على توجيه استثماراتهم نحوه، الأمر الذي يفرض على الدولة السورية أخذ زمام المبادرة وتحمل المسؤولية الرئيسية في توفير التوظيفات والخبرات المطلوبة، وتقديم إغراءات كبيرة للقطاع الخاص والاستثمار الخارجي، الذي قد تحفزه الأيدي العاملة الرخيصة، وإغراءات الدولة السورية على التوظيف في هذا القطاع ليس فقط لتلبية احتياجات السوق الداخلي, بل وأيضاً لتلبية طلبات متزايدة في الأسواق الخارجية، وبالتالي توظيف سورية لميزتها النوعية لجهة تدني كلفة المدخلات في إغراء الاستثمار الخارجي للتوجه للعمل في قطاع الصناعة الثقيلة.

على أية حال تختزن سورية في قطاع الصناعات العسكرية بعض الخبرات التي يمكن أن توظف لأنها تنتمي إلى قطاع الصناعة الثقيلة والعمل على توسيع وجود هذا القطاع، ويمكن توجيه عمل الجامعات ومعاهد الدراسات العليا للتركيز على قطاع الصناعات الثقيلة.

نهضت الصناعة السورية على قطاع الصناعات التحويلية، وقد حققت سورية نجاحاً كبيراً في هذه الصناعات قاد إلى إشباع السوق الداخلي وتلبية الطلب داخل سورية، بل ساعد على بداية لانطلاق قطاع التصدير لاسيما في السنوات التي سبقت شن الحرب الإرهابية على سورية.

اليوم سورية لا تزال بحاجة لقطاع الصناعات التحويلية وله الأولوية ويحتل مرتبة متقدمة في خطط إعادة الإعمار لأسباب ليست بخافية على أحد، ولكن لا يمكن تجاهل أهمية وضرورة أن تلحظ، خطط إعادة إعمار قطاع الصناعات الثقيلة مهما كانت العقبات والعراقيل وقوتها التي تحول دون انطلاقة قوية في هذا القطاع.

سورية في مرحلة إعادة الإعمار تحتاج إلى آلات كثيرة، سواء للتعويض عن ما دمر ونهب من آلات المصانع التي كانت تعمل قبل الحرب، أو لتلبية الطلب الواسع والكبير الذي تفرضه عملية إعادة إعمار بحجم عملية إعادة إعمار سورية بأكلافها التي باتت تقدر بعشرات بل مئات مليارات الدولارات، فإن ذلك قد يوفر فرصة لانطلاق صناعات ثقيلة تلحظ بداية تصنيع الآلات التي تحتاجها سورية لعملية إعادة الإعمار، ومن ثم الانتقال إلى صناعة ما تحتاجه السوق الداخلية والتصدير إلى الأسواق الخارجية، لكن ذلك يتطلب عملاً وجهداً دؤوباً ومنسقاً بين ثلاث جهات، الدولة السورية، القطاع الخاص السوري، والاستثمارات الخارجية المرشحة للإسهام في عملية إعادة إعمار سورية.

أظهرت مبادرات فردية ومن قبل القطاع الخاص وجود مؤشر على الاهتمام بالصناعات الثقيلة، والمقصود صناعة الآلات بالدرجة الأولى، ولكن هذا القطاع يختلف عن بقية الصناعات، لا يمكنه الاعتماد فقط على المبادرات الفردية وعلى جهد القطاع الخاص، إن دور الدولة مركزي وأساسي لنهوض صناعة ثقيلة في سورية على أن تخضع عملية انتقاء المجالات التي يمكن أن تنطلق منها هذه الصناعة لدراسة متأنية ودقيقة، وأن تأخذ بعين الاعتبار التجارب المتعثرة التي مرت بها سورية، حيث لم يحقق هذا القطاع أي نجاح ملحوظ، ودراسة أسباب ذلك والسعي لتدارك الأسباب التي أدت إلى تعثر العمل في هذا القطاع وصولاً إلى صرف الأنظار عنه بشكل شبه كامل قبل الحرب.

لا شك أنه ليس من السهل على أي دولة في العالم وليس سورية وحدها تسجيل نجاح سريع وواسع في هذا المجال في ظل المنافسة الدولية الحادة، وفي ظل وجود دول عريقة في هذا المجال، وما تفرضه هذه الدول من قيود على نهوض صناعات مماثلة في دول أخرى، ولكن تجارب نمور آسيا ودول أخرى مثل الصين، تؤكد أنه إذا كان هناك تصميم وخطط رشيدة من قبل الدولة المعنية فإن أي دولة تستطيع أن تبدأ في تحقيق نجاح في فرع من فروع الصناعات الثقيلة الذي يلائم أوضاعها، ولاسيما ما يتوفر لديها من مواد أولية، ويمكن لها أن تنطلق من ذلك، وحتى تستطيع أن تنافس أعرق الصناعات الثقيلة في أكثر الدول التي تستوطن فيها هذه الصناعة، ولعل نجاح كوريا الجنوبية في قطاع صناعة السيارات أنموذجاً يوضح الفرص التي يمكن أن تتحقق إذا كان هناك تصميم وتوفرت رعاية رشيدة للقدرات المتوفرة مهما كانت محدوديتها.

بديهي أن الانطلاقة الأولى لقطاع الصناعات الثقيلة سوف يعتمد على شراكات مع الدول الأكثر عراقة قائمة على المنفعة المتبادلة، سورية تقدم المدخلات الرخيصة والدول المشاركة تقدم الخبرة والاستثمار على أن يكون العائد من نصيب الشريكين. ولعل هذا يحل الكثير من المشاكل ويزيل الكثير من العقبات والعراقيل التي تعترض نهوض صناعة ثقيلة في سورية، ويجعل احتمال انطلاق هذا القطاع في إطار عملية إعادة الإعمار احتمالاً واقعياً وليس حلماً غير قابل للتحقيق.