في أوائل تسعينيات القرن الماضي، وفيما كنا نظن انّ الحرب في لبنان قد وضعت أوزارها، دعاني الصديق العزيز الأستاذ ضياء الفلكي، رئيس النادي العربي في بريطانيا آنذاك، الى إلقاء محاضرة بعنوان «دروس الحرب اللبنانية» أراد من خلالها أركان النادي تحصين الواقع العربيّ من تكرار تجربة الحرب الأليمة التي عاشها لبنان على مدى 15 سنة

 

وحرصت يومها على التأكيد على أمرين وهي ان أقطارنا العربية كلها تعيش حروباً أهلية، إما كامنة لم تنفجر بعد، أو معلنة تظهر في أكثر من بلد يشكو من المواجهات ذات الطابع العرقي والاثني والمذهبي آنذاك.

وكان رأيي يومها أنه ليس مهمّاً أن تكون هناك طوائف ومذاهب متعددة في تلك البلدان لكي تنشب حروب فيها، فالأيدي المخططة لمثل هذه الحرب قادرة على افتعال صراعات متعددة الاشكال لكي تشعل حروباً داخلية وفتناً دموية هي حزام الأمان الاستراتيجي لأعداء هذه المنطقة وفي مقدمهم الكيان الصهيوني، وكان الرأي يومها أنّ واقعنا الداخلي يساعد على إشعال هذه الحروب والفتن لا سيما في ظل ثلاثيّة الفساد والاستبداد والتبعية التي كانت تحكم العديد من بلادنا

وفي لبنان حذّرت من مخاطر تحالف ميليشيات السلاح والمال الذي قام بعد اتفاق الطائف، بحيث يصبح لبنان بأسره أسيراً لهذا التحالف الذي إذا انتهى دور السلاح المدعوم بالمال المتربّص في تدمير لبنان، فقد أتى دور المال المدعوم بالسلاح الميليشياوي ليفتك بلقمة اللبنانيين ونمط عيشهم

واليوم، وبعد 46 سنة على مجزرة «البوسطة» ذات أحدٍ دامٍ في عين الرمانة، تتضح أكثر من أيّ وقت مضى صحة هذا التحليل الذي اعتمدناه في قراءة أوضاعنا اللبنانية والعربية، ومن إدراكنا بأنّ أصحاب وعد بلفور وسايكس بيكو لن يكتفوا بما صنعوه من اغتصاب فلسطين وتجزئة المنطقة، بل سيعمدون الى استغلال كلّ ثغرة في علاقاتنا وبنانا السياسية والاجتماعية لينفذوا منها لاستكمال مخططاتهم في تدمير المنطقة وصولاً الى صهينتها

 حرصت بهذا العرض التاريخي اليوم أن أؤكد أنه إذا كان بين اللبنانيين والعرب من يعتقد انّ ما نشهده من مآس وحروب وفتن هو فعل مؤامرة خارجية فقط مخطئ، كما انّ من يعتقد انّ ما نراه سببه الوحيد خلل داخلي مخطئ أيضاً، فما شهدناه وما زلنا نشهده في لبنان والمنطقة من تعثر واضطراب وقهر وفتن إنما يعود الى بعدين في آن معاً، بُعد خارجي تنبغي مقاومته وبُعد داخلي تنبغي معالجته، وأن أقصر الطرق لمواجهة البعد الخارجي هو في معالجة البعد الداخلي التي لا تتمّ إلا عبر الإقرار بما جرى ارتكابه من أخطاء وخطايا، وعبر اعتماد صيغة للتعامل في ما بيننا، جماعات وأفراداً، تقوم على قبول الآخر واحترام خصوصياته والتفاعل معه على قواعد الحرية والمشاركة والقناعة المشتركة بوحدة المصير بين أبناء الوطن الواحد والأمة الواحدة

 كما تقوم على إعلاء لغة الحوار بيننا على أي لغة أخرى، فالحوار ليس طريقاً لحلّ النزاعات فقط، بل هو الطريق لتعميق الحرية في حياتنا والتي بدونها نبقى معرّضين لكلّ أنواع القهر والاستبداد وبالتالي القابلة للانفجار.

ورأينا اليوم أنه في مواجهة كلّ ما تتعرّض له مجتمعاتنا وبلادنا من مخاطر وحروب وفتن وإفقار وتجويع وتهميش وقهر لا يمكن معالجته إلا بالعمل على خطين معاً، أولهما مقاومة المخططات الخارجية التي تسعى الى استكمال مفاعيل وعد بلفور ومعاهدة سايكس بيكو والحروب التي شهدتها المنطقة 1948، 1956، 1982، 2003، بالإضافة الى الحروب الداخلية، وثانيهما معالجة الخلل القائم في العلاقات القائمة داخل مجتمعنا بين السلطات والمواطنين، بين الجماعات والأحزاب والأفراد، والذي ينفذ منه أعداء الخارج وكلّ محاولة لوضع مقاومة البعد الخارجي لأزماتنا بوجه معالجة البعد الداخلي، أو العكس، هي تمديد مستمرّ لأزماتنا وحروبنا والفتن التي تسعى للإطاحة بأوطاننا كما بإنساننا

إنّ التكامل بين مقاومة البعد الخارجي، لما نواجهه في السياسة والاقتصاد والثقافة والتربية والاجتماع، وبين معالجة البعد الداخلي بكلّ ما فيه من ثغرات هو الضمانة بأن لا تتكرّر في لبنان حرب بدأت في 13 نيسان 1975، وما زالت مستمرة بأشكال متعددة، كما أن لا تستمرّ حروب مماثلة تشهدها بعض أقطارنا العربية وتنتظرها أقطار أخرى.

*المنسّق العام لتجمّع اللجان والروابط الشعبية.

(البناء)