لم يعد خافياً على المتتبّعين لحال البلاد والعباد في ظلّ التدهور المريع في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، أنّ لبنان يعاني من أزمتين في آن معاً.. أزمة منظومة حاكمة تعيش حال إنكار لما يعانيه المواطن وتصرّ على الاستمرار في تجاهلها لعمق المحنة التي يعيشها اللبنانيون، وأزمة قوى تغيير لا تزال تعيش حال تشظّ وانقسام مما يمدّ في عمر الفساد والاحتكار ونهب أموال المودعين والمزيد من إفقار المواطنين وتجويعهم من اجل تركيع الوطن وتطويعه خدمة للمشاريع المشبوهة.. وفي مقدّمها التطبيع مع العدو.

 

 وإذا كان الأمل مفقوداً في الأعمال على منظومة حاكمة تسعى لإبقاء هيمنتها على قدرات البلاد عبر لعبة باتت مكشوفة وقوامها توافق بين أركانها يدفع ثمنه المواطن، وصراع بينهم يدفع ثمنه المواطن أيضاً، كما هي تجربتنا مع هذه المنظومة منذ أن قام نظامنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي على أسس المحاصصة الطائفية والتقاسم المذهبي والفئوي والمناطقي.

في مواجهة هذين التحديين لا بدّ من قيام تحالف وطني عريض يضمّ كلّ القوى والجماعات والفعاليات والشخصيات المناهضة للفساد والاحتكار ونظام المحاصصة تلتقي حول برنامج للخلاص الوطني يتضمّن النقاط التالية:

1 ـ الإسراع بالتدقيق الجنائيّ المركز وكشف بؤر الفساد ومحاكمتها واستعادة الأموال المنهوبة والمهرّبة وإعادتها الى أصحابها المودعين.

2 ـ محاكمة كلّ المتلاعبين بالدولار وملاحقتهم ومحاسبتهم أيّاً كانوا بعد أن اتضح أنّ الارتفاع بسعر الدولار ليس اقتصادياً بل هو سياسي بامتياز ونتيجة جشع بعض المتلاعبين فيه وقد باتوا معروفين.

3 ـ السعي للحفاظ على موارد لبنان النفطية في الجنوب من خلال مواجهة جادة مع المطامع الصهيونية واستعادة كلّ حقوقنا في هذا المجال، أو من خلال محادثات ترسيم الحدود المائية بين لبنان وسورية عبر محادثات رسمية وأخوية بين البلدين الشقيقين في إطار ما يجمعهما من اتفاقيات ومؤسسات عمل مشتركة وإسقاط السياسة العبثيّة المتبعة من البعض في رفض إقامة علاقات رسميّة بين البلدين.

4 ـ العمل على إعادة هيكلة الاقتصاد اللبنانيّ كاملاً عبر تحويله الى اقتصاد منتج يعتمد على الصناعة والزراعة والمعرفة والخدمات المتطورة ومن خلال تشبيك اقتصادي واسع مع الدول الشقيقة عربياً وإسلامياً والصديقة عالمياً.

5 ـ الابتعاد عن كلّ خطاب عنصري أو طائفي أو مذهبي أو إقصائي لا يؤدّي إلا إلى إشعال الفتن الداخلية التي عانى منها لبنان والمنطقة كثيراً.

 من أجل هذا التحالف العريض المنزّه عن كلّ حسابات لا تتصل بهموم المواطن وأوجاعه، وعن كلّ أجندات مشبوهة تسعى لاستغلال المطالب المشروعة للناس، لا بدّ من جهة تقرع الجرس “وتدبّ الصوت” من أجل هذا المؤتمر الذي لا يخضع لحسابات ضيقة، أو نزوات فردية، أو أحقاد دفينة، فالوطن يستحق من الجميع تنازلات لقيام هذا التحالف الذي لم يستطع لبنان أو غيره من الانتصار على مشاريع مشبوهة إلا بفضل مثله، كما رأينا في جبهة الاتحاد الوطني في أواخر خمسينيات القرن الماضي، وجبهة الخلاص الوطني في أوائل ثمانينيات ذلك القرن.

(البناء)