عقد المواطنون المهتمّون بتطبيق أحكام العدالة آمالاً كباراً على الاجتماع الذي عُقد يوم الثلاثاء المنصرم بين ممثلي كلّ من وزارة المالية والبنك المركزي وشركة “ألفاريز – مارسال”. واعتبر هؤلاء أنه بعد شهور من التسويف والتأجيل حان الوقت لإلزام البنك المركزيّ تسليم كلّ المعلومات المطلوبة منه كي تتمكن شركة التدقيق المحاسبي الجنائي من مباشرة أعمالها واطلاع الرأي العام لاحقاً على النتائج كي يتمّ إبراء ذمة من يستحق وكشف المرتكبين الذين تسبّبوا بتلويث سمعة لبنان وهدر المال العام وسرقة أموال المودعين من لبنانيين وعرب وأجانب.

 

وما أن أُعلن عن أسماء الحاضرين في الاجتماع حتى أصيب الرأي العام بصدمة أولية لأنّ غياب وزير المالية وحاكم البنك المركزي يعني، في ما يعنيه، الاستهتار بالأمر والتهرّب من تحمّل المسؤولية المباشرة في عملية اتخاذ القرار. أما إيكال هذه المهمة الى مندوبين فيعكس نظرة دونيّة للعملية برمتها أو اتجاهاً لتهميشها. هذا في الوقت الذي يعتبر فيه الرأي العام أنّ التدقيق الجنائي مسألة جوهرية، وفي ضوئها تتقرّر أمور غاية في الأهمية بالنسبة للقطاع المصرفي كما البنك المركزي كما مالية الدولة. وكلّ ذلك يفرض على كبار المسؤولين عن الملفات، المشاركة بأنفسهم، لا سيما أنّ الأعمال التي يقومون بها حالياً في عملية ليست بأهمية التدقيق الجنائي الذي يعوّل عليه اللبنانيون كما المؤسسات الدولية والعربية التي عيل صبرها من الأسلوب الذي يتبعه الحاكم في المماطلة والتأجيل رغم إصرار رئيس الجمهورية ووزيرة العدل على إنجاز الأمر ومعهما كلّ مسؤول لبناني أو عربي أو أجنبي حريص على كشف الحقائق وتحديد المسؤوليات ومعرفة الإمكانات المتاحة للانطلاق في عملية التصحيح والإصلاح استجابة لمتطلبات الاقتصاد الوطني وتلبيةً لنداءات المواطنين المتكرّرة وتجاوباً مع طلبات المانحين العرب والدوليين الذين يريدون، وسط الأزمة الاقتصادية الدولية الخانقة، التثبت من سلامة الوضع قبل الإقدام على أيّ خطوة  باتجاه المستقبل، خاصة أنّ شكوكاً كثيرة تحوم حول العديد من المسؤولين الذين يرفضون التدقيق الجنائي لغاية في نفس يعقوب ويعرقلون بالتوازي عملية نهوض المؤسسات، ومن بينها تشكيل الحكومة العتيدة تنصلاً من المسؤوليّة وتهرّباً من المحاسبة.

 غير أنّ ما شكل الصدمة الأكبر للجمهور والمهتمّين هي النتائج الهزيلة التي خرج بها الاجتماع من دون أن يحسم بوضوح التزام الحاكم والبنك المركزي بالقرارات الرسمية والرغبة الشعبية العارمة في ضرورة الامتثال لمتطلبات التحقيق الجنائي والمباشرة به قبل فوات الأوان. إنّ هذه الصدمة المزدوجة التي تلقاها اللبنانيون لا يجوز بأيّ حال من الأحوال الاستسلام لها أو تبريرها لأنّ أيّ عمل من هذا النوع يؤدي الى استفحال الانحراف وتهميش الإصلاح.

إنّ إقرار التحقيق الجنائي في حسابات البنك المركزي وسواه من المؤسّسات ليس قراراً عادياً كي نتجاوزه تحت ضغط المناورة والخداع، إنما هو قرار أساسي وتأسيسي في بناء المرحلة الجديدة. وفي ضوء ذلك تتقرّر أمور كثيرة، وفي مقدّمها إخضاع الدولة ومؤسّساتها وأركانها لسلطة القانون من دون أيّ مواربة أو ازدواجية في المعايير.

لكلّ ذلك ينبغي أن يكون التحقيق الجنائي من أولويات الأجندة الوطنية باعتباره المفتاح الرئيسي لمعرفة الحقيقة سواء في ما يتعلق بالأوضاع المالية والنقدية، أو في ما يتعلق بتصرفات المسؤولين ومدى انطباق أعمالهم على النصوص القانونية التي استبيحت مراراً وتكراراً على يد العديد ممّن تسلم الأمانة وتولى المسؤولية.

فالفجوة الكبيرة في حسابات البنك المركزي وتبخر الودائع وارتفاع مستوى الدين ومستوى خدمته كلها وقائع لم تأت من فراغ، وإنما من قرارات تجب الإضاءة عليها من هيئة مسؤولة  ومحايدة لتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود وتمكين الدولة من الانطلاق والبناء بحجارة جديدة وعقول جديدة تتسم بالجدارة والكفاءة والجرأة كي يستطيع اللبنانيون التنفس من جديد واستعادة الأمل وبناء الإرادة الحازمة للتصحيح والإصلاح وانتشال لبنان من الحفرة الملوّثة التي هندستها وعمّقتها قرارات منظومة من عبدة المال والنفوذ الذين يسخرون من توجع الأمهات ويستهترون بدموع الأطفال.

*نائب ووزير سابق

(البناء)