أسوأ ما في الأزمات أن يعتادها الناس. هذا، تماماً، ما يحصل اليوم مع أزمة قطاع الأدوية ومع تأقلم الناس مع غياب أصناف لا بدائل لها في بعض الأحيان.

 

مع بداية الأزمة والمباشرة بآلية الدعم عبر مصرف لبنان، لم يكن الانقطاع يشلّ، خصوصاً في ظل وجود بدائل أو في ظل مخزون كان آنذاك يكفي أشهراً. لكن، مع تمدد الأزمة والاستنسابية التي مارسها «المركزي» في ملفات الدعم، بدأ شبح الانقطاع يكبر، ولم يعد الدواء «الأصيل» وحده الذي يختفي من على رفوف الصيدليات، بل باتت البدائل في مهب الأزمة. وفي بعض الأحيان، كانت الكارثة تحلّ دفعة واحدة مع انقطاع الدواء الأصيل وبديله، وتهديد حياة مرضى كثيرين. وقد حدث هذا أكثر من مرة، من انقطاع أدوية القلب والكلى وغيرهما من الأمراض التي قد لا يحتمل المرضى غياب العلاج فيها.

أخيراً، باتت الأزمة عامة. أدوية كثيرة تنقطع كل يوم «بلا حسّ ولا خبر»، وأخرى باتت خارج الخدمة، إلى حين يأذن المصرف المركزي والتجار بالإفراج عنها. أما الأسوأ فهو انقطاع الأدوية التي تصنّع محلياً. فمنذ أيام، يعاني عدد كبير من الصيادلة من فقدان أدوية للحساسية تستخدم اليوم كعلاج لبعض مرضى كورونا. ويعدّد الصيادلة بعض تلك الأدوية التي لا بدائل لها، ومنها defal وpredicor وprednison، التي «نطلبها ولا نجدها»، بحسب رئيس الجمعية الإسلامية للصيدلة حمود الموسوي. مصدر القلق لدى الصيادلة، بحسب الموسوي، أنها «مطلوبة اليوم بسبب استخدامها في علاج مرضى كورونا»، مقدّراً أيام الغياب بحوالى «10 أيام ولم يردنا من الوكلاء خبر عنها». وهذا ليس خبراً استثنائياً، إذ يؤكد نقيب الصيادلة، غسان الأمين، انقطاع هذه الأدوية، كما غيرها، مؤكداً أن الانقطاع ليس حكراً على تلك الأدوية، بل يطال أدوية كثيرة بشكل متكرر. أما الأنكى من ذلك الانقطاع، فهو «هوية» تلك الأدوية، إذ إنها محلية الصنع، وتنتجها شركات لبنانية. وهذا ما يجعل المشكلة أكبر. وهو ما يدفع الأمين الى المطالبة بـ«إيلاء اهتمام أكبر للصناعة الوطنية ودعمها لتستمر وكي لا يحدث ما يحدث». لكن، عندما يعرف السبب يبطل العجب. هذا ما يقوله الصيادلة. فحتى الأدوية المحلية تدخل ضمن لائحة مصرف لبنان من باب المواد الأولية التي تخضع كغيرها لآلية المركزي ولاستنسابيته أيضاً ولطول إقامة الملفات فيه. وفي الآونة الأخيرة، تشير نقابة مصانع الأدوية إلى أن الصناعة تأثرت كثيراً بسبب الأزمة الاقتصادية وبسبب آلية الدعم، حيث يتأخر وصول المواد الداخلة في الصناعات الدوائية المحلية وفي بعض الأحيان تنقطع. وهذا ما يترجم في مسلسل الانقطاع. لكن، مع ذلك، تشير مصادر شركة «فارمالاين» المنتجة لدواء «بريديكور» إلى أن الدواء موجود لديها وفي السوق، على عكس ما يقوله الصيادلة، فأين هو؟

مع ذلك، هي ليست قصة هذه الأدوية الثلاثة ولا دواءي enoxa وlovenox اللذين يستخدمان أيضاً في علاج مرضى كورونا وفقدا الأسبوع الماضي قبل أن «يظهرا» بكميات مقننة إلى الصيدليات، بل هي أزمة أعمق بكثير: أزمة دولة تركت صحة ناسها بأيدي التجار.

(الاخبار)