مُعظم شوارع بيروت بلا إشارات سير وأكثر من 90% من طرقاتها «مُجرّدة» من أغطية «الريغارات». هذه «العوارض» المُستجدة، وإن عكست بعضاً من تداعيات الأزمة الاقتصادية على الحياة المدينية، تبقى بسيطة مُقارنةً بما هو متوقع، ليس في العاصمة وحدها، بل في كل المدن والبلدات اللبنانية.

 

فوفق تقديرات البلديات، ستكون هذه عاجزة، في الأشهر المُقبلة، عن القيام بـ «ربع» الخدمات التي كانت تُقدّمها للمُقيمين ضمن نطاقها العقاري من صيانة للطرقات وشبكات الصرف الصحي وغيرها. ومع انشغالها في تأمين رواتب موظفيها وتسيير الحد الأدنى من أعمالها، تغدو مطالبتها بتنفيذ مشاريع ومخططات إنمائية «ضرباً من الجنون». وإذا كانت «الجُوَر» في أيام «الرخاء»، جزءاً من المشهد اليومي للمُقيمين في بعض المدن، فإنها ستُصبح «ملامح» ثابتة في مختلف المناطق، فيما الحديث عن سلامة المباني «ترف»، كما يؤكد رئيس جمعية «سلامة المباني» يوسف عزّام لـ«الأخبار»، لافتاً إلى فترة «مُظلمة» ستخيّم على الحياة المدينية من حرائق وانهيارات وتصدّعات.

هذا الواقع لن يكون حصراً وليد عجز البلديات عن ردم الحُفر وصيانة المباني أو توقف المقاولين عن تأهيل الجسور مثلاً، بقدر ما سيكون «حصاد» الفوضى العمرانية المستفحلة؛ إذ إن ثلثي الأراضي في لبنان غير منظّمة، وفق نقابة المهندسين في بيروت.

قبل عامين، حذّر الخبير في التخطيط الحضري ليفون تلفزيان من تداعيات الفوضى العمرانية المُتجلّية في تعاظم الفجوة في المناطق الحضرية بين المدن الرئيسية وضواحيها، ما يولّد عنفاً يُهدّد الأمن الاجتماعي، فيما وصف خبراء بيروت بالمدينة «العنيفة»؛ إذ إن مخططاتها التوجيهية «رعت الانقسام الطبقي وعززت غياب العدالة الاجتماعية عبر إقامة حدود وهمية بين المناطق تفصل الفقراء عن الأغنياء»، وفق عزام، لافتاً إلى أنه بفعل الأزمة، «سيسقط هذا الفصل، وسيترجم العنف المكبوت على مرّ سنوات تمرداً على ذلك الفصل. هذه الحركة، وإن كانت خطوة جيدة لجهة ردم اللاعدالة، إلا أنها تبقى خطيرة لأنها تأتي في مرحلة فوضى مترافقة مع مزيد من العنف».

مع الحديث عن انهيار النموذج لا بد من مناقشة مصير التنظيم المديني

بحسب عزام، أسهمت السياسات المدينية في تغذية النموذج الاقتصادي السائد. فالمخطط الشامل لترتيب الأراضي، مثلاً، ساعد على ديمومة النظام الاقتصادي الريعي، «ومع الحديث عن انهيار النموذج، لا بد من مناقشة مصير التنظيم المديني في الفترات المُقبلة وطرح التحديات التي ستواجه اقتصاد المدن والريف»، لافتاً إلى أن لبنان «لم يعد يحتمل العودة إلى هذا النموذج، وأكبر دليل على ذلك ما نشهده من عودة الى الأرياف وتغيير وجهة استعمال المباني مع خسارة كثير من الشقق قيمتها» (بعض الشقق الفاخرة تباع في وسط بيروت بـ10% من ثمنها سابقاً).

يعني ذلك أن غياب التخطيط اللازم للتعامل مع الواقع المُستجد سيُفاقم الفوضى الحاصلة، خصوصاً لجهة التعامل مع العودة الى الأرياف، علماً بأن 87% من المُقيمين في لبنان يُقيمون في مناطق حضرية، وغالبية هؤلاء (64%) يعيشون في المدن الكبرى (بيروت، طرابلس، زحلة، صيدا وصور)، وفق تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN HABITAT) عام 2019. فهل لدى صنّاع القرار أي تخطيط على هذا الصعيد؟

يُذكر أن التقرير نفسه خلص إلى ضرورة توحيد الجهات المعنية بملف التنظيم المديني، لافتاً إلى تشعّب الجهات التي تديره، من وزارة الأشغال إلى البلديات مروراً بمجلس الإنماء والإعمار، فضلاً عن جهات مدنية وغيرها. وقد أوصى بضرورة إنشاء مؤسسة توحد الجهود وتختص بالتصميم والتخطيط المديني. واعتبر إلغاء وزارة التخطيط دليلاً على غياب الإرادة الفعلية بوضع رؤية مُستقبلية لأي عملية تخطيط «ما يعني أن النهج القائم على التدمير مُستمرّ».

وفيما يُشدّد الخبراء على ضرورة السعي إلى وضع رؤى جديدة للمدن والتعامل مع المشاكل المستجدة ضمن حلول جذرية، اكتفى رئيس لجنة الأشغال النيابية نزيه نجم، في اتصال مع «الأخبار»، بالإشارة إلى أن أعمال الصيانة التي «تتولى أمرها اليد العاملة اللبنانية لا تزال قائمة حتى الآن، فضلاً عن أن الزفت لا يزال مدعوماً حتى الآن» وبالتالي لا داعي للقلق على هذا الصعيد»(!) لافتاً إلى أن كل المشاريع العقارية الأخرى متوقفة بسبب عجز الدولة عن الدفع. أمّا الحل، فهو «تشكيل حكومة، وترك رئيس الحكومة سعد الحريري يؤلّفها»!

(الاخبار)