ـ يبدي المسؤولون الأميركيّون، في خطاباتهم إلى الرأي العام حرصهم الشديد على سيادة لبنان وسلامة أراضيه، ولكن مع الأسف لا يوجّهون ملاحظة واحدة إلى الكيان الصهيونيّ الغاصب الذي يحتلّ أجزاء من أراضينا الغالية وينتهك يومياً سيادتنا بحراً وجواً ويمنع بعض الأهالي من زراعة أراضيهم التي كان آباؤهم وأجدادهم يزرعونها.

 

ـ وهؤلاء يشدّدون دائماً على ضرورة امتثال اللبنانيين للقوانين الدولية والأميركية، خصوصاً في ما يعود إلى حركة الأموال وسلامتها ومنشئها، من دون أن يطبّقوا ذلك على سائر اللبنانيين؟ نقول ذلك لأنّ العديد من أصحاب النفوذ وبينهم أصحاب مصارف ومساهمون كبار يحملون الجنسية اللبنانية حوّلوا وسط الأزمة الخانقة أموالهم من دون وجه حق، بدليل طلب البنك المركزي منهم وعبر تعميم رسميّ إعادة قسم منها إلى لبنان. فهل كان لهذه المخالفات صدى لدى الهيئات الأميركيّة المتابعة لموضوع الامتثال، أم أنّ الموضوع طوي لمرحلة لاحقة على الرغم مع أنّ الاقتصاد اللبناني هو بحاجة اليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، للمساعدة الملحة كي يسترجع الأموال المنهوبة والمحوّلة الى الخارج بعيداً عن الاستنسابية والتمييز.

ـ نذكر أيضاً أنّ المسؤولين الأميركيين في واشنطن كما بيروت يشجّعون في خطاباتهم على ضرورة اعتماد الشفافيّة في شؤون الدولة والمال العام كما يركّزون على ربط هذه الشفافية بمبدأ مساءلة الذين يتولون المسؤولية، ومحاسبتهم إذا اقتضى الأمر، بغية رفع مستوى الأداء وزيادة الإنتاج وتأمين العدالة في توزيع الناتج الوطني.         ومما لا شك فيه أنّ تطبيق هذه الإصلاحات التي تستوجب إنشاء هيئات مستقلة فاعلة سيساهم في إنقاذنا من الزبائنية والفوضى والهدر في الإدارة التي نعلم جميعاً أنها استقبلت قبيل الانتخابات النيابية الأخيرة، غصباً عنها، ومن خارج الأطر القانونية ستة آلاف موظف أو منتسب أو متعاقد. ورغم صدور قرار لمجلس الشورى ببطلان العملية التي شكلت تحدياً غير مسبوق لمجلس الخدمة المدنيّة وهيئات الرقابة فإنّ الذين قاموا بهذه العملية اللاقانونية لا زالوا طلقاء يحكمون سعداء من دون أن نسمع كلمة نقد واحدة تجاههم لا من المسؤولين الأميركيين الذين يهتمّون بالشفافية والحكم الرشيد ولا من ممثليهم في لبنان.

ـ لما حدث الانهيار النقدي واستولت البنوك على الودائع انكشف هزال الوعود التي أطلقها حاكم البنك المركزي ومعه كبار المصرفيين والسياسيين لجهة تطمين الناس إلى سلامة الليرة اللبنانية في حين كانت الليرة تتهاوى، وفي حين كانت الحركة ناشطة من قبل أصحاب المصارف وكبار المساهمين لنقل أموالهم إلى الخارج، علماً بأنّ هاتين الفئتين ملزمتان بتغطية العجز في المصارف من أموالهما الخاصة وإلا تعرّضت المصارف التي يملكونها للإفلاس. غير أنّ الحاكم تدخل وكرّر عبارته الشهيرة: «لن نسمح بإفلاس أيّ مصرف»، مما أعطى أصحاب المصارف مكاسب لا يستحقونها، إذ كان المعنى الحقيقي لهذه العبارة؛ السماح لأصحاب المصارف بالتصرف مع المودعين بالطريقة التي يرتأونها لجهة سحب الأموال أو تحويلها إلى الخارج أو لجهة سداد الديون والتعامل مع الفوائد المترتبة وكلّ ذلك مخالف تماماً لقانون النقد والتسليف.

         ثم صدرت تعاميم من الحاكم تخالف بنودها كلّ ما يقوم عليه النظام اللبناني من احترام للملكية الشخصية، وحق التصرف بالمال الخاص، وحرية إدخال أو إخراج الأموال، بحيث أصبح أسلوب المنع والردع والاقتطاع والإذلال على أبواب المصارف هو الأسلوب السائد وبحيث جرى نهب أموال اللبنانيين وسواهم من المودعين والتعرّض لكراماتهم بينما كبار القوم يتصرّفون كما يحلو لهم بأموالهم يستفيدون من الوساطات والنفوذ ويمتنعون عن اتخاذ إجراءات تصحيحيّة أو إصلاحيّة تخفّف من وطأة الكارثة التي تدحرجت وأصابت البيت اللبناني في الصميم. وبدلاً من أن ترتفع الأصوات انتقاداً لهذا الخروج عن أسس وقواعد الاقتصاد الحر سكتت هذه الأصوات وكأنّ الأمر لا يعنيها.

ـ وهنا تبرز قضية التحقيق الجنائي لحسابات البنك المركزي وسائر المؤسسات. وإذ يعوّل اللبنانيون وسواهم على إجراء هذا التحقيق للاطلاع على الأرقام الحقيقيّة للودائع والخسائر والديون ومعرفة واقع الأمر والانطلاق منه في عملية الإصلاح والبناء، نرى حاكم البنك المركزي وبعض شركائه في السلطة السياسية يماطلون ويؤجّلون ويخترعون الذرائع وينصبون الحواجز في وجه هذا التحقيق الحيويّ حيث لم يعد هناك من تفسير لذلك سوى رغبتهم في التملص من المساءلة والتنصّل من المسؤولية وصولاً إلى تجهيل الفاعل – المسؤول عن الكارثة الاقتصادية الاجتماعية التي حوّلت أكثرية اللبنانيين إلى فقراء يلهثون وراء الرغيف.

إنّ سكوت أطراف المجتمع الدولي عن هذا الأمر يثير الكثير من علامات التساؤل والاستفهام.

         وعندما تحرّك الرأي العام اللبناني بدافع الشعور بالمسؤولية وتبعاً لإجراءات التحقيق مع الحاكم في سويسرا مطالباً بمساءلة بعض كبار المسؤولين عن الشأن النقدي والمالي ومن بينهم – حاكم البنك المركزي – رفعت مرجعيات دينية وسياسية وديبلوماسية الصوت عالياً لا من أجل فرض المساءلة ومعرفة الحقائق وإنما من أجل منع المساءلة والإبقاء على الأمور في دائرة الشكوك والتكهنات، مع العلم بأنه كان من الأفضل للرموز المطلوبين للمساءلة المثول أمام القضاء وإثبات التزامهم بالقانون وبراءتهم مما ينسب إليهم.

وهنا نسأل المسؤولين الأميركيين المهتمّين بالشأن اللبناني كيف سنعرف الحقيقة التي تنير الطريق وتنعش الاقتصاد إذا انتفت المساءلة وانتصبت العراقيل أمام القضاء؟ ثم لماذا تطبّق كلّ الإجراءات العقابيّة إذا كان المعنيّ من معارضيكم سياسياً وتهمل هذه الإجراءات عندما يكون أحد أصدقائكم هو المعني بالأمر؟ ألا يعني ذلك استمرار الاحتكام إلى المعايير المزدوجة التي تفقد السياسة معناها وقيمتها؟!

ـ في كلّ مرة يتوجّه فيها لبنان نحو سورية والعراق لتعزيز التبادل التجاري معهما والحدّ من خسائره يجد أمامه العقوبات والعراقيل المفروضة من إدارتكم دون النظر إلى الأوضاع المأساوية التي يعيشها لبنان وشعوب المنطقة ودولها المكتظة باللاجئين. علماً بأنّ جزءاً كبيراً من هذه الأوضاع المأساوية التي تخيّم على المنطقة مردّها إلى حربكم الظالمة ضدّ العراق، تلك الحرب التي داست شرعية الأمم المتحدة واستندت الى مبرّرات ثبت بطلانها باعتراف كولن باول وسواه من دون أن ننسى اعتذار طوني بلير وقبله وزير خارجيته جاك سترو. لقد أدّت هذه الحرب الى تحويل ملايين الأطفال في العراق الى أيتام وإلى تدمير الدولة العراقيّة ومؤسساتها ونشر الفقر في أرجائها وأرجاء المنطقة كلها التي تستند اقتصاداتها إلى تعامل واسع النطاق مع أرض الرافدين. فإذا كنتم حريصين على لبنان وأهله فلماذا اذن تنصبون العراقيل بوجه التواصل الحقيقي بين لبنان والعراق رغم أنّ إدارتكم تستميت في إقامة علاقة وثيقة مع هذا القطر العربي الشقيق.

ـ بحكم ترابط النظام الرأسمالي ومركزية الولايات المتحدة في هذا الإطار فأنكم ولا شك على اطلاع بأنّ كلّ عملية تجارية أو مالية تمرّ عبر نيويورك أو تعلم بها نيويورك. كما أنّ وزراءكم وأجهزتكم المعنية يتابعون كلّ العمليات التي تتعلق بنقل الأموال وتحويلها على الصعيد العالمي فهل يُعقل أنها لم تطلع على عملية واحدة جرت من لبنان إلى سويسرا أو لندن أو إحدى الجزر القريبة من فلوريدا؟

في هذا النطاق يحتاج لبنان إلى المساعدة لأنّ هذه المساعدة تعني له الكثير وأوّلها الشروع في استعادة أمواله وتطبيق العدالة على الجميع حتى يستطيع أن ينهض بنفسه من دون أن يشكل عالة على المجتمع الدولي. إنّ شعب لبنان المعروف بحبه للعمل والثقافة والديمقراطية ليس مسؤولاً عن الكارثة التي حلت به وإنما المسؤول الرئيسي عن هذه الكارثة هي جماعة التسلط والمال التي لا تتعرّف إلا على مصالحها مستفيدة من المعايير المزدوجة وتعطيل العدالة والتغطية الدائمة التي تحصل عليها على الصعيد الدولي.

*نائب ووزير سابق.

(البناء)