يوماً بعد آخر، تكبر لائحة الإقفالات في القطاع التجاري، وتفقد الأسواق ملامحها، مع عدم قدرة أصحاب المحال التجارية، ولا سيما محال التجزئة، على مواجهة الانهيار المستمر. بعد أكثر من عامٍ ونصف عام على بداية الأزمة الاقتصادية، وعام على انتشار فيروس كورونا وإقفالاته المتكررة، يجد أصحاب المحال التجارية أنفسهم أمام الخيار الأخير: الإقفال النهائي، في ظل عجزهم عن بيع منتجاتهم وشراء منتجات أخرى بسبب التقلبات اليومية في سعر صرف الدولار، إضافة إلى ما تسبّبت به الإقفالات المتكررة والطويلة من زيادة في خسائرهم.

 

عندما بدأت الأزمة، حذّر التجار من أنه لن يبقى في مطلع عام 2021 أكثر من نصف المحال التجارية. لكن الواقع، مطلع العام الجاري، كان أشدّ تشاؤماً، ففي مقابل إغلاق 20% من المحال التجارية، ولا سيما محال التجزئة، أبوابها بحلول منتصف العام الماضي، «جرجرت» الأشهر المتبقية من 2020 ومطلع 2021 ما يوازي 20% أخرى من المحال، وهي حصيلة غير نهائية «ومرشحة للارتفاع أكثر»، على ما يقول رئيس جمعية تجار بيروت نقولا الشماس.

اليوم، «يعمل القطاع التجاري بقوّة 20% فقط، في القطاعات التي تقع ضمن السلة المدعومة»، بحسب الشماس، وتتوزع ما بين محال المأكولات والمواد الغذائية والمشروبات، إضافة إلى محال المعقّمات التي أسهمت أزمة كورونا في ازدهارها. نسبة 40% أقفلت نهائياً، والـ 40% المتبقية خارج الخدمة اليوم»، وهي القطاعات التي بات الناس يتعاطون معها كـ«ترف، مثل محال بيع الألبسة والأحذية والمجوهرات...». إذ إن هذه لم تعد تشكلٍ جزءاً من أولويات المواطنين الباحثين فقط عن لقمة العيش.

مع ذلك، يقرّ الشماس بأن أزمة القطاع التجاري ليست وليدة الأزمة الحالية، وإن سرّعت هذه الأخيرة في الوصول إلى الخيارات الأقسى. الأمر يعود إلى ما قبل عشر سنوات، «حين بدأت ملامح تدهور القطاع مع دخول طارئين إليه وانتشار المحال غير الشرعية التي عملت على منافسة المحال التجارية الأخرى»، قبل أن يأتي السبب الآخر الذي «تجلّى بارتفاع الضرائب بشكلٍ كبير وطاولت كل نواحي الاقتصاد». ويضاف إلى هذا كله انخفاض القدرة الشرائية للناس الذين أسقطوا من حساباتهم الكثير من الأصناف والمنتجات. لذلك غادرت الكثير من «الماركات» العالمية لبنان، وأقفلت فروعها إلى غير رجعة. ثم أتى عام 2020 «الذي كان كارثياً مع انهيار سعر الصرف والكورونا وانفجار المرفأ».

لكل هذه الأسباب مجتمعة، تدهورت تجارة التجزئة «إلى ما دون 10% عما كانت عليه سنة 2011»، وهي مستمرة في التدهور، والخوف «ألا يبقى أحد في القطاع التجاري».

مع بداية الأزمة، كانت معركة التجار تتجلّى بالقدرة على الاستمرار، ومع تسارع الأحداث، عدّل هؤلاء عنوان معركتهم، فصارت بالنسبة إليهم «معركة مصير»، على ما يقول الشماس. أما اليوم، ومع خروج 80% من الأعمال التجارية من الخدمة الفعلية، باتت «المعركة معركة وجود... إما نبقى أو لا نبقى، وهذا رهن بما يأتي».

(الاخبار)