Get Adobe Flash player

لا ينتبه بعض المحللين للمعاني العميقة التي أفرزتها كلٌّ من الحربين الكبيرتين اللتين هزتا المنطقة، الحرب على سورية والحرب على اليمن، والنتائج المتعاكسة لكل منهما، خصوصاً أن بعض المسؤولين الأوروبيين السابقين الذين شاركوا في مرافقة سنوات من الحربين، يكشفون خلال مداخلاتهم في ورشات عمل تعقدها مراكز لدراسات الأمن والاستراتيجية، عن أن حرب اليمن كانت محاولة لاستنساخ عكسي للحرب على سورية بالاستثمار على مصادر القوة التي اعتقد السعوديون أنها عوامل تأثير حاسمة في مسار الحرب على سورية، التي كانت في مرحلة التوازن السلبي عندما انطلقت الحرب على اليمن، في ظل قراءة سعودية أميركية اوروبية تقول إن الجماعات المناوئة للدولة السورية تستمدّ قوتها من وجود حدود سورية مفتوحة على دول داعمة تؤمن لها الظهير والسند والتمويل والتسليح وجلب الآلاف من المسلحين، وبالمقابل فإن الدولة السورية تستمدّ قوتها من كونها تمثل الشرعية الدستورية المعترف بها دولياً، والتي تقوم بإدارة المؤسسات الأمنية والمالية والخدميّة، فجاءت الحرب على اليمن تستثمر على حصار كامل يقطع حتى الهواء عن أنصار الله براً وبحراً وجواً، وبالتوازي الاستثمار على عنوان الشرعيّة الدستورية اليمنية كغطاء لخوض الحرب ومحاولة تفعيل مؤسسات هذه الشرعية عسكرياً وأمنياً ومالياً وخدميّاً، لامتلاك موقع متفوّق في القدرة على حسم الحرب، التي توقعت الدراسات أنها ستحسم خلال أسابيع أو شهور، لهذين الاعتبارين.

اِقرأ المزيد: بين سورية واليمن قراءة أوروبيّة: ناصر قنديل

مع نهاية ولاية الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش، وظهور الاعتراف الأميركي العلني بفشل الحروب التي أطلقها عبر التقرير الشهير الذي حظي بإجماع الحزبين الجمهوري والدميقراطي وعرف بتقرير بايكر هاملتون، أطلق الرئيس السوري بشار الأسد دعوته لإقامة منظومة إقليمية تضم الدول الفاعلة المطلّة على خمسة بحار هي المتوسط والأحمر والأسود وقزوين والخليج، بهدف ملء الفراغ الذي سينجم عن الفشل الأميركيّ، وبدأ تحركاً شمل روسيا وإيران وتركيا ومصر والسعودية، للدعوة لهذه المنظومة، محفزاً حليفيه الروسي والإيراني من جهة لتلقف الدعوة، ساعياً لإقناع تركيا والسعودية ومصر بحجم المخاطر الناجمة عن الفراغ الاستراتيجي المقبل، الذي سيُملأ بالفوضى والإرهاب ما لم يتم بلورة بديل يحفظ الاستقرار.

اِقرأ المزيد: العالم يعود إلى بحار الأسد الخمسة: ناصر قنديل

منذ إعلان وزير خارجية فرنسا برونو لومير أمام وزراء مالية دول قمة العشرين تحذيره من الخلط بين مساعي مساعدة لبنان على التعافي الاقتصادي مع المواجهة التي تخوضها واشنطن مع طهران في مطلع العام 2020، وواشنطن ماضية في سياسات الضغوط القصوى وصولاً لإسقاط لبنان أملاً بأن تسقط بعض الشظايا على رأس حزب الله. وكانت تصريحات وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو ومعاونيه، تتركز في كل شاردة وواردة عن لبنان، تحت عنوان أن حزب الله سبب مشكلتكم أيها اللبنانيون، ومن دون مواجهة حزب الله لن يخرج لبنان من أي أزمة وسيصل إلى الانهيار، وليس خافياً كلام الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون عن الدور التعطيلي لمبادرته الذي لعبته العقوبات الأميركيّة.

اِقرأ المزيد: واشنطن تعترف بمخاطر المُضي بخطة إسقاط لبنان: ناصر قنديل

كما كانت البداية من دمشق ستكون النهاية منها، فالذين شنّوا الحرب على سورية كانوا يعلمون أن مشروعهم أبعد منها بكثير، فهم يستهدفون روسيا في أمنها والصين في فرص وصولها الى البحر المتوسط، ويستهدفون إيران في دورها واقتصادها وصمودها وعلاقتها بحركات المقاومة، ويستهدفون المقاومة بكسر ظهرها وإغلاق خطوط إمدادها، وفي الطريق يضمنون أمن الكيان المحتل، وأمن الاحتلال الأميركي في العراق، وتسليم لبنان لجماعة «فيلتمان»، وقطع الطريق على نهضة المقاومة في اليمن وفلسطين والعراق ضمناً، وفيما الحرب تشارف على النهاية، وتفقد فرص الاستمرار من جانب صاحبها الأول في واشنطن، ولو بقي عالقاً بغياب استراتيجية الخروج منها، دق الأميركي أبواب طهران وموسكو، ومن بعده فعلت السعودية، ولما بدا أن الأمر يحمل تسليماً بتغيير قواعد الاشتباك، كان الجواب، كي نمضي قدماً عليكم بالتوجه الى دمشق، فهناك مربط الفرس.

اِقرأ المزيد: ستبقى دمشق عاصمة المنطقة: ناصر قنديل

 

يقف لبنان في منطقة حرجة في قضيّة ترسيم الحدود البحريّة جنوباً وشمالاً، بعدما فشل في إدارة الملف بصورة تحفظ حقوقه، عبر تورّط حكوماته بتبني خرائط جاءت تقارير لاحقة لخبراء الجيش اللبناني بإثبات بطلانها، وتفريطها بالحقوق اللبنانيّة، منذ الترسيم المشبوه الذي جرى مع قبرص عام 2007، وما ترتب على التغييرات من الطعن بمصداقية الخرائط اللاحقة رغم تأكيد الخبراء المحايدين لمطابقتها للمعايير التقنية والقانونية المعتمدة دولياً، وعلى الجبهة الجنوبية دخل لبنان في سجال مرسوم التعديل أو تعديل المرسوم، وكيفيّة عدم إطاحة التفاوض غير المباشر الذي ترعاه واشنطن عملياً رغم الوجود الشكلي للأمم المتحدة، فيما يُقدم كيان الاحتلال على السير بخطى حثيثة نحو بدء الاستثمار في حقول وازنة يفترض أنها ضمن الحدود البحرية للبنان وفقاً للخرائط الجديدة، بينما على الحدود الشماليّة مع سورية، تعاملت الحكومات اللبنانية بلا استثناء بلا مسؤولية كاملة عبر عدم القيام بجهد الحد الأدنى لما قامت به مع قبرص من تفاوض ودّي قبل وضع الخرائط، أو حتى ما قامت به مع كيان الاحتلال من السعي لتفاوض، بعد وضع الخرائط.

اِقرأ المزيد: لماذا لا يطلب لبنان معونة تقنيّة روسيّة في الترسيم؟: ناصر قنديل