Get Adobe Flash player

قبل ست سنوات كانت تركيا رأس الحربة في الحرب المركزية التي تخوضها واشنطن في المنطقة، وكانت سورية المستهدف الرئيسيّ فيها، وكانت أوروبا ودول الخليج وكيان الاحتلال تصطف كلها في هذه الحرب، قبل أن تتموضع روسيا عسكرياً في سورية، وتنخرط مع إيران وقوى المقاومة في خطة موحّدة لدعم الجيش السوري في مواجهة هذه الحرب، وتدور رحى المواجهة الحاسمة في معركة حلب. وعند هذا المنعطف لم تتردد تركيا في خوض المواجهة مع روسيا وتسقط طائرة حربية روسية، حتى ثبت لها عدم وجود قرار أطلسي بالتصادم مع روسيا، فكانت الخطوة التركية الأولى نحو خلط الأوراق الإقليمية، بالانتقال من موقع رأس الحربة في الحرب على سورية، إلى موقع جديد عنوانه تفاهمات أستانة التي ربطت تركيا مع روسيا وإيران، الذي سلّمت بموجبه تركيا بخسارتها مع حلفائها من الجماعات الإرهابية التابعة لتنظيم القاعدة وتنظيم الأخوان المسلمين، في حلب وحمص وحماة ودرعا والغوطة، مقابل احتفاظها بنفوذها وحضورها في إدلب، كقوة فصل ورعاية لتفاهم يقضي بفصل المعارضة السياسية التي دعيت للانضمام الى العملية السياسية عن الجماعات الإرهابية التي يفترض نزع سلاحها وترحيلها، عبر التفاوض أو الحسم العسكري، وهو الأمر الذي لم ينفذ ولم تقُم خلاله تركيا بواجباتها.

اِقرأ المزيد: تركيا تخلط 
الأوراق الإقليميّة مجدداً؟: ناصر قنديل

تختلط التكهنات بالتسريبات في التحليلات التي تتناول زيارة وفد قيادي من حزب الله الى موسكو، وباستثناء نقل الكلام الصحافي عن الزيارة، وعناوين تقليدية لمضمونها، يغلب على هذه التكهنات – التسريبات ترويج لضغوط روسية على حزب الله، سواء تحت عنوان التحذير من خطورة الانزلاق الى حرب في المنطقة، من باب خصوصيّة العلاقة الروسية الإسرائيلية، أو تحت عنوان خطر بلوغ لبنان مرحلة الانفجار والسعي لتفادي هذا الانفجار من باب دعوة حزب الله للضغط على رئيس الجمهورية في ملف تشكيل الحكومة تسهيلاً لولادة حكومة تحول دون تصعيد كلام بكركي وقائد الجيش التحذيرية لتصبح مشاريع مواجهة، من بوابة خصوصيّة لعلاقة روسية خليجية، يتم تقديمها عبر التسريبات كعنوان لتعهدات روسية بتنازلات تطلب من حزب الله ورئيس الجمهورية لحساب فريق رئيس الحكومة.

اِقرأ المزيد: ماذا ستناقش موسكو مع حزب الله وماذا سينقل إليها؟: ناصر قنديل

 

سيبقى الكلام غير المألوف الصادر عن قائد الجيش العماد جوزف عون موضوعاً للكثير من التحليلات، طالما بقي التدهور في الحال المعيشيّة بغياب القدرة على توليد حكومة جديدة، وما يعنيه اجتماع هذين العاملين من فراغ أسود يبشر اللبنانيين بالأسوأ ويدفعهم الى الغضب اليائس الذي يسيطر على مشهد الشارع، بغياب أي رؤية لفرص خروج من الأزمة عبر الرهان على قوى قادرة على قيادة الشارع نحو رسم مسارات جديدة واقعيّة تعكس اتجاه تطوّر الأحداث من دون المخاطرة بالسلم الأهلي، الذي يتصدّر الجيش اللبناني مشهد الأمل بضمان الحفاظ عليه.

اِقرأ المزيد: لبنان بعد كلام قائد الجيش: تفكّك الدولة أم تحرّك الدولة العميقة؟: ناصر قنديل

– استفادت موسكو خلال عقدين غابت فيهما واشنطن عن الساحة الدبلوماسيّة، لتبلور مدرسة نشطة في الدبلوماسيّة، تجمع بين القراءة الواقعية لأدوار الشركاء الطبيعيين في الملفات، وأحجامهم وقدراتهم على التأثير، سواء كانوا حلفاء أو أصدقاء أو خصوماً، وتحسن استخدام موازين القوى وتفعيل حضورها بصورة موضعيّة للتأثير على المواقف والاصطفافات، وترسم دبلوماسيتها الناعمة بين سطور هذه العناصر، بينما كانت واشنطن تتنقل بين سياسات تعتمد دائماً على الاستخدام المفرط لعناصر قوتها، العسكرية بداية، في حروب أشعلت المنطقة ولم تصل الى النتائج المرجوة، ثم المخابراتية في مرحلة وسطى، عبر حروب الوكالة التي خاضتها جماعات التطرف الإرهابية، ثم قوتها المالية في منهج العقوبات القصوى الذي رسم معامل مرحلة الرئيس دونالد ترامب، وترفع بدل الجسور الجدران ليس مع الخصوم فقط، بل مع الحلفاء والأصدقاء أيضاً.

اِقرأ المزيد: موسكو ترسم إطاراً استباقيّاً للدبلوماسيّة في المنطقة: ناصر قنديل

يترافق إعلان النيات الأميركي بالخروج من سياسات المراحل السابقة لعقدين ماضيين، التي توزعت بين الحروب المباشرة في عهد الرئيس السابق جورج بوش، والحروب بالوكالة في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما، والعقوبات القاتلة في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، مع محاولات تلمّس خريطة طريق لاستراتيجية بديلة تسعى لصناعة تفاهمات دولية إقليمية بأقل قدر ممكن من التنازلات التي تمسّ بهيبة ومكانة واشنطن العالمية، وتأمين ما يلزم لاستراتيجيتها القائمة على أولويّة المواجهة مع الصين وروسيا، من بوابة ما وصفه الرئيس الأميركي جو بايدن باستبدال مثال القوة بقوة المثال، بعناوين حقوق الإنسان وحماية البيئة ومكافحة الفساد، لأن واشنطن تدرك أن التخفف من أعباء المراحل السابقة بتسويات سيُبنى على موازين قوى أظهرتها مراحل المواجهة، كما تدرك أن الترسمل لمرحلة قوة المثال تستدعي تقليم أظافر وتحجيم حلفاء رئيسيين يترتب على إضعافهم تراجع النفوذ الأميركي لحساب الخصوم الإقليميين، ولذلك تختبر واشنطن بالتتابع سقوف التفاهمات التي تحاول تحقيقها، وكلما اكتشفت فشل تسويق سقف مرتفع تستبدله بسقف أدنى، وهي محكومة بالخشية من دفع أثمان يصعب ترميم التوازنات ما بعدها، أو الفشل بصناعة التفاهمات بسبب الأثمان المكلفة لها، أو تزعزع كيانات حليفة وتراجعها بسبب الترسمل على حسابها للمهمة المقبلة، أو ضياع فرص الترسمل بسبب الحرص على حماية هذه الكيانات وأدوارها الحليفة.

اِقرأ المزيد: اختبار القوة الحاسم يمنيّ: ناصر قنديل