Get Adobe Flash player

 

يبدو لبنان وهو ينهار اقتصادياً ومالياً ويقف على شفا شهر الهاوية، قادراً على صناعة معجزات مقلوبة تكشف العجز الذي يصيب المؤسسات ويظهر شللها عن ممارسة دورها ومسؤولياتها التي تفرضها الظروف القاهرة التي تخيّم على لبنان واللبنانيين، فتتحول الدولة جزراً مستقلة، كل يمسك في جيبه نصف نص دستوري أو قانوني، ويحتمي وراءه لاختراع صلاحيات تتصل بتكوين المؤسسات، ويستثمرها لتعطيل المؤسسات وتجاوزها، بحيث يبدو لبنان متجهاً بسرعة الانحدار نحو القاع، وتبدو لحظة الاصطدام وشيكة، من دون أن يبدو أن هناك من يرفّ له جفن، ممن يفترض انهم أصحاب القرار.

اِقرأ المزيد: المعجزة اللبنانيّة بالمقلوب: ناصر قنديل

يعتقد الكثيرون ان مسار الاستقلال عن الاحتلال الفرنسيّ وجلاء القوات الفرنسيّة عن لبنان وسورية كان واحداً، بمثل ما يعتقدون بأن مسار الانتداب كان واحداً، ولذلك لا ينتبه الكثيرون إلى أن اللبنانيين يحيون يوم 22 تشرين الثاني كعيد للاستقلال نسبة الى 22 تشرين الثاني عام 1943، اليوم الذي أفرجت فيه سلطات الاحتلال الفرنسي عن رئيس الجمهورية بشارة الخوري ورئيس الحكومة رياض الصلح وإعلانها القبول باستقلال لبنان، ويكاد يسقط من التاريخ يوم 31 كانون الأول 1946، وهو يوم جلاء الاحتلال الفرنسي عن لبنان، بينما يحتفل السوريون بيوم 17 نيسان 1946 بصفته اليوم الوطني لسورية، وهو موعد جلاء الاحتلال الفرنسي عن سورية ويكاد يُنسى من تاريخهم يوم 14 آذار 1936 كيوم للاعتراف الفرنسيّ باستقلال سورية.

اِقرأ المزيد: سورية وعيد الجلاء
مرّة ثانية: ناصر قنديل


لا يستطيع اللبناني لولا سيادة الشعوذة السياسية والكيد القائم على تسديد فواتير لبعض الخارج أن يكون مسانداً للعقوبات التي تستهدف سورية، حتى لو كان خصماً للقيادة السياسية للدولة السورية، وهو يقرأ كلام الدبلوماسي الأميركي جيفري فيلتمان، الذي يعرف اللبنانيون على اختلافهم، حجم عدائه لهذه القيادة السياسيّة، وتحريضه لبعض قياداتهم على هذا العداء، وهو يقول إن العقوبات تتسبب بالفقر والعذاب للشعب السوري ولفقرائه بصورة خاصة، وإنها بلا معنى سياسي لأنها لم ولن تؤثر على سياسات القيادة السورية ولم ولن تؤثر على شعبيتها. وهو ينتهي بالعودة إلى الاعتراف بالفشل الذريع والنتيجة البائسة سياسياً والمتوحّشة إنسانياً لهذه العقوبات.

اِقرأ المزيد: هل أنتَ لبنانيّ؟ كيف يمكن أن تؤيّد العقوبات على سورية؟: ناصر قنديل

تشير المعلومات الواردة من فيينا عبر مصادر دبلوماسيّة رفيعة إلى أن التقدّم في المفاوضات تسارَعَ بعد تصعيد كيان الاحتلال ومحاولته دفع الأمور نحو المواجهة، ربما بتنسيق مع واشنطن لتحسين شروط التفاوض، ليظهر أن مواصلة التصعيد ستؤدي الى توريط واشنطن في حرب لا تريدها مع إيران. وتقول المعلومات إن روسيا لعبت دوراً في تقديم الضمانات المتبادلة للفريقين لتقليص مدة الإجراءات المتقابلة لرفع العقوبات الأميركية وعودة إيران إلى التزاماتها بموجب الاتفاق النووي، بالتوازي مع جعل الحزمة الرئيسية من العقوبات التي يطالها الرفع متضمّنة للعقوبات على متاجرة إيران مع العالم وفتح الاعتمادات، والمؤسسات النفطية والمصرفية، وتحرير الودائع الإيرانية المجمدة. وبالتوازي تسعى موسكو لجعل مدة العودة الكاملة المتبادلة الى الاتفاق من واشنطن وطهران أقل من شهرين، على أن تبدأ بإعلان متزامن بالعودة تضمن تنفيذ موجباته موسكو، ومعها الشركاء الآخرون في الاتفاق.

اِقرأ المزيد: تسارع فيينا يمهّد لقاء
 بايدن وبوتين: ناصر قنديل

قبل ست وأربعين سنة انفجر لبنان من الداخل أو تم تفجيره من الخارج او حدث الاثنان معاً، لكن المهم أن اللبنانيين عجزوا بنخبهم السياسية وقياداتهم الفكرية ومراجعهم الدينية عن احتواء هذا الانفجار والاحتكام الى معادلات بديلة، تنجح عادة المجتمعات التي تمتلك درجة من الوعي والحكمة باعتمادها لإدارة خلافاتها. وأعتقد أن جوهر ما يستحق النقاش هو هنا، وليس في البحث الذي بدأ ولم ينته حول أسباب الانفجار، مرة للقول ذرائعياً إنه إعلان سقوط النظام الرأسمالي الريعي، لتبرير تموضع في الحرب بمنظور طبقيّ، وقد عاد النظام الرأسمالي الريعي أشدّ قوة بعد الحرب، وهو اليوم المتحكّم الأبرز برقاب اللبنانيين بعد ثلاثين عام سلام، معبراً عن أشد الأزمات عنفاً اجتماعياً على اللبنانيين من دون أن يبشر باصطفاف طبقي ينشده الكثيرون. ومرة لقول ذرائعي آخر أن اللبنانيين كانوا ضحايا لحروب الآخرين على أرضهم، لتعزيز عنصرية لبنانية تشاوفية بالتفوق والتعالي تلبس ثوب الضحيّة النزيهة، أثبتت حروب التوحّش التي خاضها اللبنانيون بوجه بعضهم البعض انها مجرد وهم عاشته شعوب أخرى بعنصريّات أخرى وارتكبت مثل اللبنانيين توحشاً آخر. ومرة للقول إن النظام الطائفيّ قد أفلس لكن سرعان ما جاءت نهاية الحرب على قاعدة تعويم النظام الطائفي ولم ينل اللاطائفيون إلا وعداً بالسير بعد مرحلة انتقالية تحوّلت الى شيك بلا رصيد، نحو نظام لاطائفي. وها نحن نشهد اللبنانيين يتموضعون خلف طوائفهم بعيداً عن كل بحث عقلاني في هوية جامعة، ودولة رعاية تؤسس لوطن قالوا إنه وجد وهم اليوم يبحثون عن تعريفاته.

اِقرأ المزيد: محاولة لفك شيفرة الحرب الأهليّة وخريطة طريق لمغادرتها: ناصر قنديل